text stringlengths 1 2.38k | en_topic stringclasses 10
values |
|---|---|
ولئنْ يَضِعْ فَضْلِي ويَذْهَبَ بَعْضُهمْ | Art-and-Literature |
صعدًا | Art-and-Literature |
لا يكاد يوجد ضمن مدونة النواوير والأزاهير هذه أي تصريح - لا من كاتبيها ولا من مؤلفي الأندلس - ببُعدها الرمزي، حيث كانت دائمًا باعتبارها مفاضلات بين الأزاهير، وربما يُصرَّح في أحسن الحالات بأن بعضها يشخص هذه النواوير وينطقها، ومع ذلك تبقى داخل النصوص إشارات تحرِّض المتلقي على شحْذ جهاز استقباله لها، إشعارًا بخصوصيتها ال... | Art-and-Literature |
لعل أول باحث صَرَّح بهذا البُعْد الرَّمْزي، خصوصًا في خلفيته السياسية، هو فايز القيسي الذي يؤكد أن «في هذا اللون من الرسائل مَنْحًى رمزيًّا، إذ ظهر في أواخر عهد الخلافة على يد الكاتب الجزيري، وغيره من الشعراء | Art-and-Literature |
هذا مع واجب الاعتراف لإحسان عباس بالسبق في التنبه إلى رمزية بعض نصوص هذه المدونة، من دون أن يحسم «في تعيين طبيعة هذا الرمز حقًا، لأن الصلة بين هذه الرسائل، وبين الجو الزمني والتاريخي الدقيق الذي أُنشئت فيه لم تتحدد» | Art-and-Literature |
قبل أن ألتقط هذا الخيط وأجُرّه إلى أبعد مدى، لا بد من أن أشير إلى أن هذا المبحث تندرج تحته مدونة غنية من النصوص الشعرية والنثرية، لا يَخْتَزِلُها هذا الحُكْمُ أو ذاك، ممّا يتعاطاه الباحثون - جُزافًا - من دون كبير تَبَصُّر | Art-and-Literature |
الزمرة الأولى: مجموعة من النصوص الشعرية والنثرية تبتغي وصْفَ الأزاهير في حد ذاته غرضًا فنيًّا ووجدانيًّا، ولا تتبنّى المفاضلة عُمْدَةَ أسلوبها، وأغلب نصوص كتاب البديع في وصف الربيع من هذا القبيل، إلا أن الوصف أينما يكن، لا يكاد يخلو - في بنيته العميقة، والسطحية أحيانًا - من تقنية المفاضلة وذهنيتها | Art-and-Literature |
انطلاقًا من هذه الرؤية الفاحصة، تتكشَّف المفاضلات في نسيج أسلوبها، عبر مُغالَبَاتِ المُشَبَّهِ والمُشَبَّه به في لعبتيهما الفنية التصويرية التي تستبطِنها الآثار الأدبية عمومًا والنَّوْرِية خصوصًا، حين تدخل الرياض الموصوفة في منافسة - عبر هذه اللعبة - مع السماء والمرأة والأمير | Art-and-Literature |
الزمرة الثانية: نصوص تصرح بالمفاضلة، إلا أنها تحصرها - غالبًا - بين نوعين من الزهور، مثل: المفاضلة بين الورد والنرجس، التي ربما يكون رائدها في الأندلس أبو عثمان سعيد بن فرج الجياني، حين فضَّل الوَرْدَ على النرْجَس، مُناقِضًا - بذلك - ابن الرومي، فقال: | Art-and-Literature |
مِنِّي إليكَ فما القِياسُ الفاسِدُ | Art-and-Literature |
إلا الذي أدَّى العِيانُ الشاهِدُ | Art-and-Literature |
أزَعَمْتَ أنّ الورْدَ في تَفْضِيلِه | Art-and-Literature |
خَجِلٌ وناحُلُه الفَضِيلَةَ عانِدُ؟ | Art-and-Literature |
الوردُ تيجانُ الربيعِ، فأيّما احْـ | Art-and-Literature |
تاز الفخارَ؟ مُتَوَّجٌ أو سَاجِدُ؟ | Art-and-Literature |
اعتمد مقارنات عدة تُعًضِّدُ تفْضِيلَهُ الورْد على النرْجس من اللون، والرتبة والإبّان، وحتى الاسم، والدلالة، والبقاء والفناء | Art-and-Literature |
وشايعه زميله أبو بكر ابن القوطية: عبد الملك بن سليمان الإشبيلي
(ت 433/1042م)، في مَنْحَى تفْضيله الورْدَ على النرْجَس، متّبعًا البحر والقافية ذاتيهما، ثم عززتهما الأندلس بثالث، هو صديقهما الشيخ أبو عبد الله بن مسعود الذي واطأهما في الموضوع، وإن غيَّرَ الإيقاع، وعلى مدرجهم سار ابن الأبار الخولاني: أحمد بن محمد (ت 433هـ/... | Art-and-Literature |
إذا كانت هذه المفاضلات بين الورد والنرجس تميزت بإجماع الأندلسيين على تفضيل الأول، تحالفًا ضد ابن الرومي عاشق النرجس، فإننا لا نقف بهذه النصوص عند حد المفاضلة فحسب، وإنما نراها تستبطن بُعْدًا رمزيًّا يتمثَّل في أن المُفاضلة بين النرجس والورد تحتمل مُفاضلة بين ابن الرومي وشعراء إشبيلية، وبين المشرق والأندلس، في المحصلة ا... | Art-and-Literature |
هناك شبه إجماع آخر لزمرة تواطأت على تفضيل الخيْري الأصفر على الخيري النَّمَّام، «وفي كل خير»، مثل الفقيه أبي الحسن بن علي الأشجعي النحوي، الذي سايره أبو عامر محمد بن عبد الله بن مسلمة في هذا المنحى | Art-and-Literature |
أخيرًا ينكسر هذا الإجماع على يد أبي الوليد الحميري الذي أراد أن يأخذ الاتجاه المعاكس لهذه المفاضلة، قائلاً: «ولما كثر الكلام في تفضيل الخيري الأصفر، صنعت قطعة، ربما كان فيها بعض الرد على مَنْ فَضَّلَه، وبخس النمام أكثر حقه، ولم يرع حسن خَلقه وخُلقه» | Art-and-Literature |
هناك - أيضًا - مشاعرة أخرى لا يتواطأ فيها الشاعران الأندلسيان، وإنما يتواجهان، ويتناقضان، في طرفي المفاضلة، حيث ينحاز الوزير أبو الأصبغ بن عبد العزيز إلى الخيري، وينحاز صديقه ابن الأبار الخولاني إلى البنفسج | Art-and-Literature |
هذه المفاضلة - هي الأخرى - قد ترقى إلى أفق الرمزية – في نظري - إذا تأملنا اتفاقها في كونها - غالبًا – جاءت مقدمة لمديح القاضي ابن عباد، شيخ نخبة شعراء «البديع في وصف الربيع»، وقطب رحى أشعاره، وملهم تأليفه، وهي ظاهرة تشاركها فيها المفاضلات السابقة بين الورد والنرجس | Art-and-Literature |
مَرَدُّ البعد الرمزي هنا يتجلى في كون هذا المنزع المُتَوَاطَأِ عليه،
يستبطن - هو الآخر - مفاضلة بين المشرق والأندلس، حيث سادت في
المشرق – المقدمات الطللية، أو الخمرية أحيانًا، توطئة للمدح، فأراد الأندلسيون أن يتجاوزوا المقدمتين إلى مقدمة زهرية، تراعي خصوصية «الفردوس المفقود»، ولعل مفارقة الانتقال من خراب الطلل، إلى نضا... | Art-and-Literature |
الزمرة الثالثة: تتشكل من نصوص تتميز عن مدونة سابقتيها بالنثرية في غالبها، وفي أنها تضيف إلى رمزية المفاضلات الزهرية منحى آخر، غير خلفية التنافس بين الأندلس والمشرق المستنبطة هناك، وهذا المنحى الرمزي الجديد يتمثل في أن هذه الزمرة تجسد« صَدًى للتنافس والحسد الذي كان بين الكتَّاب في بَلاطات الأمَرَاء، حيث إن كثيرًا من الك... | Art-and-Literature |
هنا يجعلون الزهور التي يُنطقونها تتقمَّص شخصياتهم، فتتماهى فضائل الواصف بالموصوف، حتى تصْبح مجرد أقنعة لهم يروِّجون من خلالها أنفسهم، متبرِّجين بقدراتهم الإبداعية، أمام مخدوميهم من حكام الأندلس الذين اشتهروا بولعهم بنزعة الإغراب في الأدب وغيره، حتى أصبح الأدباء يشمئزون من مخاطبتهم بالطرق المباشرة المألوفة، فيلجأون إلى ... | Art-and-Literature |
إذا كان فلاح القيسي ومريدوه من الباحثين قد اكتفوا بالتمثيل لهذا الاتجاه برسالتي الباجي أبي عمر وابن حسداي، فإنني أضيف إليهما رسالة ابن الجزيري، رائد هذا المنزع، حيث كتبها على لسان بنفسج العامرية، مخاطبًا المنصور بن أبي عامر يوم عيد الأضحى، مفضلًا البنفسج الذي يمثّل – في نظري - قناعَه، على كلٍّ من النرجس والبهار اللذين ... | Art-and-Literature |
استهلها بالدعاء له «بصدْق النظر، ومَعْرِفَةِ جَلِيَّة الخَبَر»، وهذه براعة استهلال، لأنها ترشِّح المتلقي لكون الخطاب هنا مرموزًا وليس على ظاهره، ولا سيما أن الكاتب يجعل هذا الحاجب مفزع الخصوم إذا ترافعتْ في مذاهبها، وتنافرتْ في مفاخرها، ومن هنا يبسط أمامه مناط المفاضلة، ويوضح أطرافها، حيث «ذهب البهار والنرجس في وصف محا... | Art-and-Literature |
بعد الاعتراف لهما بذلك، يستبق النطق بالحكم، مفضلًا نفسه على منافسيه، حاشدًا ما شاء من أفعلات التفضيل، لأنه «أعطر منهما عطرًا، وأحمد خبرًا، وأكرم إمتاعًا، شاهدًا وغائبًا، ويانعًا وذابلاً، وكلاهما لا يمتعك إلا ريثما يبدو للعيون، ويسلم من الذبول» | Art-and-Literature |
ثم يختم بالتماس تعضيد حكمه بحكم القاضي الحاجب المنصور، قائلًا «ولمولاي أن يعدل باختياره الصحيح، ويحكم بحكمه العدل إن شاء الله» | Art-and-Literature |
على الرغم من عدم تصريح الكاتب، ولا أي أحد من معاصريه أو لاحقيه من الدارسين القدماء والمحدثين - بحسب اطلاعي - بإمكانية أن ترتقي هذه الرسالة من المفاضلة إلى تشخيص البنفسج عبر الكلام باسمه، بل إلى درجة أرقى في الرمزية، يصبح البنفسج فيها قناعًا لكاتبها، فإن الجو العام للرسالة يدعم هذا التوجيه غير المسبوق، لأن حضرات الأمراء... | Art-and-Literature |
فهلّا يكون هذا مُرَجِّحًا قويًّا لأن ابن الجزيري المتقمص للبنفسج، كان يعقد مفاضلة بينه وبين أديبين آخرين، رَمَزَ لهما بالبهار والنرجس؟ على كل حال يبدو السياق - في نظري - أعمق من مجرد المفاضلة بين هذه النواوير | Art-and-Literature |
الرسالة الثانية هي رسالة أبي عمر يوسف بن جفر الباجي إلى المقتدر بن هود على لسان البهار | Art-and-Literature |
يبدو في خاتمة الرسالة هذه أنه تخلص من المقدمة إلى مديح المقتدر، وهو شيء مألوف في هذا النمط من الرسائل التي أصبحت تنافس قصيدة المدح في الأدب الأندلسي، ولكن الأجمل والأعمق - في نظري - صَرْفُ المُفاضلة إلى طرَفيْن جديدَيْن، هما: المُقتدر والطبيعة، حيث لا تتحقق عناصر الطبيعة من بدر، وفجر وزهر، ودر، وعطر، إلا في خُلقه وخَلق... | Art-and-Literature |
لعل كلف المقتدر بأنواع الأزاهير هو الذي جعل الكاتب هنا لا يُمعِن في النيل من الأزاهير المنافِسة للبَهار، وإن كان يفضِّله، ربما مراعاةً لذوق الزعيم المخاطَب الذي يتوزع مدرج اختياراته بين هذه الزهور جميعًا | Art-and-Literature |
إذا كنا استنبطنا من بنية الخطاب في رسالة ابن الجزيري ما يَرْشَحُ بمنزعها الرمزي، فإننا قد اقتنصنا أيضًا في نسيج رسالة الباجي لمحة ذكية تنزع إلى الاتجاه الرمزي ذاته، وذلك حين يقول: «وقد علمَ الورْدُ مَوْقِعَ إمَارَتي، وغنِيَ بلطيفِ إيمائي عن عبارتي» | Art-and-Literature |
هنا لا بد من أن أقول إن كلَّ الرسائل التي تَتَّبع المُفاضلات الرمزية بين الأزاهير وغيرها، تشترك في هذه الثنائية الجدلية بين الحقيقة والمجاز، فهي حقيقة حين تحتفظ بطابع المفاضلة بين الزهور، ولكنها مجاز حين نصرفها إلى خلفيات رمزية أعمق، تصبح الزهور فيها مجرد أقنعة للكتُّاب وغيرهم | Art-and-Literature |
الرسالة الثالثة هي رسالة أبي الفضل بن حسداي الإسرائيلي، وهي أيضًا موجهة إلى المقتدر ذاته، ويتكلم فيها باسم النرجس، إذ ما دام صاحبه قد تقمَّص البَهار، فلتتلوَّن الأقنعة | Art-and-Literature |
ثم يركِّز على عبقريته الذاتية المتفوِّقة على معَوّقات البيئة، وكأنه يشير إلى تجاوزه لطبيعته اليهودية بروحانية إسلامه المكتسب، حيث يقول: «فإنِّي غلبْتُ بما في طبْعي من التيقظ والذكاء، خلدَ الأرض وصردَ الهواء، فقمتُ عن إساءة الفضل عُذرًا، ونحلتُ السناء على الربيع فخرًا»، معلنًا تفوقه على الورد مثل سابقه، وكأن هذا الورد ق... | Art-and-Literature |
لعله لا يخفى - عبر هذه الفقرات - توسع مدارات المفاضلة بين النرجس والأزهار عمومًا، والورد خصوصًا، والمفاضلة بين فصلي الشتاء والربيع، وبين العيون والخدود، والسيد والمسود | Art-and-Literature |
بعد هذه الإلماعات التعريفية بمكانة النرجس (الكاتب)، يرمز بالقاطف للوسيط الذي استدعاه للقدوم إلى هذه الحضرة: «فبينا أنا سقيمُ الجُفون من غير سقم | Art-and-Literature |
هنا لا بد من أن تنفتح أبواب المنافسة والمحاسدة، ولذلك يقول: «فليْتَ الرياضَ تعْلمُ بمكاني، فتذبلَ كَمَدًا، وتَذْوِي حَسَدًا، وتَرَانِي وقد أنَرْتُ في أفقكَ البَهيج، وزهرْتُ في روضك الأريج، فكم تَمَنَّى الأزهار أنْ تُضَامَ لديْكَ مَطالِبي، وتُكَدَّرَ في ذُرَاكَ مَشارِبِي، فأزِلْ عَنِّي حَسَدَهمْ بكبْتِهم، فقد شجَاهم تقد... | Art-and-Literature |
هذه حقًّا أجواء البلاطات، وهذه لغة المتهافتين على أعتابها، وإذا أردنا أن نمعن تأويلًا في اقتناص الأبعاد الرمزية، داخل هذه الرسالة، يمكن أن نعتبر طلب البنفسج للقران بالخمرة، في مجلس أنس الأمير، إيحاءً بطلب الوزارة أو المكانة عمومًا، حين يقول: «وأكملْ مَسَرَّتي وتمِّمْ أنْسِي بلقاءِ شقيقةِ نفْسي، فإني قسِيمُها وحَميمُها | Art-and-Literature |
ما دمنا قد استثرنا من أحشاء النصين السابقين ما يرجّحُ رمزيتهما، فإن هذه الرسالة لم تشذ عن ذلك، حيث اشترط في مفتتحها النظر بعين الاعتبار، لفهم حقيقة مكانة النرجس وتفوقه، وفي ذلك دعوة لقراءة ما بين السطور، لفك الرموز، وقد عزز ذلك باقتباسه للمثل: «قرع العصا لذي الحلم»، إيعازًا بأن إحالاته إلى التبَصُّر في فهم النص لا تعني... | Art-and-Literature |
بتتبعنا هذا المنزع عند أبي الفضل بن حسداي، وَجَدْنا له نصًّا شعريًّا كان متضمَّنًا في هذه الرسالة، ووفيًّا لروحها، حين يقول فيه: | Art-and-Literature |
تقضّى زمانٌ طائرُ الإنْس عندَه | Art-and-Literature |
مَذُودٌ وسِرْبُ اللَّهْو فيه مُرَوَّعُ | Art-and-Literature |
وطالَ انتظاري دَوْلَةَ الوَصْلِ بعدما | Art-and-Literature |
تَصَرَّمَ بالهجْرانِ مَشْتَى ومَرْبَعُ | Art-and-Literature |
فأقبلتُ أسْتَجْدي رضاكَ وإنْ تَعُدْ | Art-and-Literature |
يُسَارعْ إلى وصْلِي المُحِبُّون أجْمَعُ | Art-and-Literature |
كما اقتنَصْنَا له أبياتًا أخْرى تبوح برمزية رسالته التي تتصيَّد فرْصة في بلاطِ المُقتدر بالله الذي كان يتصيَّد - هو الآخر - عقول المبدعين: | Art-and-Literature |
جُمْلةٌ مِنِّي ولا حَاجَةَ لِي | Art-and-Literature |
في حديثي أنْ أطيلَ القصَصَا | Art-and-Literature |
أبَدًا تَقْنصُ أطيِارَ العُلا | Art-and-Literature |
مُسْتَفِيدًا فاتَّخِذْنِي قَنَصَا | Art-and-Literature |
وانْثُر الحَبَّ فإنِّي طائرٌ | Art-and-Literature |
غَرِدٌ لا أتَعَدَّى القَفَصَا | Art-and-Literature |
لعل معجم القنص والصيد هنا منسجم تمامًا مع جو الرمزية الطاغي على هذه النصوص، حيث تكون علاقة متلقّيها عمومًا، ودارسها خصوصًا، علاقة تَصَيِّدٍ بامتياز | Art-and-Literature |
الزمرة الرابعة: هي عبارة عن رسالتين أرتقتا عن مدار المفاضلة العادية بين الأزاهير، والمفاضلة الرمزية التي تتقمص فيها الأزاهير ذوات كاتبيها، إلى مستوى أعمق في رمزيته، تتحول فيه الزهور على يد المبدعين إلى أقنعة لحكام الطوائف، معبِّرة عمّا شَجَرَ بينهم من تنافس محتدم، كان نعمة على الأدب ونقمة على سياسة الأمة، ومصير الدولة ... | Art-and-Literature |
في هذا الصدد، يرى فايز القيسي «أن المداهنة والتملُّق إلى الملوك دفعا بعض الكتَّاب الأندلسيين إلى تفضيل ملك بعينه على غيره من ملوك الأندلس، فيتخذ من وردة أو زهر معيّن رمْزًا لأميره وولي نعمته، ويجعل من تفرده بين الورود والأزهار نظيرًا لتفرد أميره بين الأمراء» | Art-and-Literature |
الواقع أن الرسالتين الممثِّلتين لهذا الاتجاه ذي الخلفية السياسية في رمزيته، هما من إنتاج ابن برد الأصغر وأبي الوليد الحميري | Art-and-Literature |
هنا يصبح ابن برد غير معني بالحديث عن أزهار: النرجس والبنفسج والبهار والخيري النَّمَّام، وما وراءها من الزهور، بقدر ما يتحدَّث عن الطوائف في الأندلس | Art-and-Literature |
الوَرْدُ أحْسَنُ ما رأتْ عيْني وأذْ | Art-and-Literature |
كَى ما سَقَى ماءُ السحابِ الجامدُ | Art-and-Literature |
خضعتْ نواويرُ الرياض لحُسْنه | Art-and-Literature |
فتَدَلَّلَتْ تنقادُ وهْي شواردُ | Art-and-Literature |
موقع هذا الزعيم في ملوك الطوائف معروف، ومكانته معتبرة، لأنه أوَّلُ منْ ضبطَ قرطبة بعد سقوط الخلافة الأموية، سائسًا إياها بتدبير عجيب، يرتكز على مبدأ الشورى المعتمَد هنا منهجًا لانتخاب سَيِّد الأزاهير، وهو ما يعني وعيًا سياسيًّا، وطموحًا ديمقراطيًا سابقًا، على طوفان الثورات الشبابية التي تجتاح اليوم عالمنا العربي | Art-and-Literature |
في المقابل، فإن أبا الوليد الحميري لا يتحدث أيضًا عن أزهار البنفسج والنرجس والخيري والنمام والخيري الأصفر والأقحوان وما يتبعها من الزهور، بقدر ما يتحدث عن الطوائف والأحزاب السياسية، ولا يكون البهار المنتخب عنده إلا سيده المعتضد بن عباد أمير إشبيلية (ت 461هـ/1069م) | Art-and-Literature |
الرسالة - كما هو واضح - ردٌّ على سابقتها، فهما سجال بين إمارتين، كانتا من أقوى إمارات الطوائف في الأندلس | Art-and-Literature |
هذا السجال الخيالي الواقعي، آلَ إلى سيادة البهار العبادي، على الورد الجهوري، في نهاية المطاف، فاتحًا المجال أمام تحرك ورود مرابطية، نبتت في الصحراء، أكثر قوة وجلدًا، لتلتهم البهار العبادي، وما سواه من زهور الأندلس المتصارعة في ما بينها، والمتهافتة أمام أعدائها، وهكذا تُسْفِرُ الخلفية السياسية المقنَّعة لهذه المفاضلات ا... | Art-and-Literature |
إن الكاتبين وَضَعَانَا - بإبداعهما – في عالمٍ تتحَطَّم فيه الحدود المنطقية بين المجتمَعيْن الزهري والإنساني، ويتأكد العمق السياسي لرمزية هاتين المفاضلتين من خلال حضور معجم السياسة والحكم بشكل مكثف في خطاب الرسالتين، حيث تَنْبَثُّ داخلهما مفردات البيعة والعقد والإنصاف والحكم والإمامة والولاء والتبعية والرق والعبودية | Art-and-Literature |
يبدو الوعي برمزية هذا الخطاب جليًّا عند ابن برد الأصغر، رائد هذا المنزع، إذ يشير إلى أن هذا النوع من المُلَح الأدبية يحتاج من المتلقي - مهما يكن ذكاؤه - أن يتكلف عناء التبَصُّر والتَّدَبُّر، لاسْتِكْناهِ سرِّه المَرْمُوز «المَضْنُون به على غيْر أهْله»، فهو يقول معتذرًا: «ولولا علمي بموقع هذه المُلَح منك، لم أجشمك عناء ... | Art-and-Literature |
هكذا تقوم رسالة ابن برد الأصغر إلى ابن جهور على بناءٍ سَرْدِي دارمي مُحْكَم، ينسجم مع استراتيجية المفاضلة، حيث تبدأ بتأطير النص ضمن «مُلَحِ مَعاني الأدب» التي لا يعتني بها إلا ذوو الظُّرف من الأدباء | Art-and-Literature |
ثم يقص اجتماع صنوف الرياحين، تحت ضغط هاجس التفرقة، المُترَبِّص «بها ريب المنون»، ساعيةً إلى الشورَى، عبْر «التفاوض والتحاور والتحاكم من أجله والتناصف»، مُجْمِعَةً – مبدئيًّا - على إلزامية ما تتفق عليه من عَقد لجميع الأزاهير، حاضرها وغائبها | Art-and-Literature |
في ختام مجلس الشورى يحررون كتاب البيعة، موجهين إياه إلى الأزاهير الغائبة زمانًا ومكانًا، بصيغة «تحتمل الأقاصي والأداني»، مستهَلًّا بديباجة تقرر البيعة الشاملة بأن «أصناف الشجَر، وضروب الزهر، وسمِيها وشتويها وربيعيها وقيظيها، حيث ما نجمتْ من تلعة أو ربوة، أو تفتَّحَتْ من قرارة أو حديقة، عندما راجعتْ بصائرَها وألْهِمَتْ ... | Art-and-Literature |
أمّا رسالة أبي الوليد الحميري، فجاءت هي الأخرى على نسَق ينسجم مع النقيضة، الناسِفة للأطروحة السابقة، إذ ما كادت زهور الربيع تقرأ كتاب البيعة الآنفة للورد، حتى «أكبرتْ ما فيه، وبنَتْ على هدْم مَبانيه، ونقْض مَعانيه، وعَرَّفَت الوَرْدَ بما عليه، فيما نُسِبَ إليه، من استحقاقه ما لا يَسْتَحِقُّ»، طاعنةً كذلك بعدم الاختصاص،... | Art-and-Literature |
وافق وصول الكتاب إلى الأقحوان والخيري الأصفروجود ثلاثة من الزهور المبايعة للورد سابقًا، تشاورهما في خلعه وبيعة البهار، ندمًا على سالف الخطأ، فاتفق الرأي على ذلك، ورَدَّ البهارعلى لوم هذه الأزاهير له جراء مشاركته في مبايعته الورد، بفلسفة سياسية ترى أنْ «ليسَ مَنْ ترَكَ حَقَّهُ مَلومًا، إنَّمَا المَلُومُ منْ تَسَوَّرَ عل... | Art-and-Literature |
هنا كتب الوسيطان - الأقحوان والخيري الأصفر - إلى مخاطبيهما سابقًا بنجاح الوساطة، وقبول الجميع خلع الورد وبيعة البهار، ورضوخ الأخير أيضًا لذلك، فصدر كتاب مبكري الأنوار، وسابقي الأزهار، إلى من غاب عنها بشخصه بمبايعة البهار، متنصلة من بيعة الورد، معتبرة أنه ما دام «قد اجتمع الرأي من سراتكم ومنا، وصدر عن كبرائكم وعنا، فهي ... | Art-and-Literature |
بعد هذه الديباجة والحيثيات، يبني الحميري شهادات الزهور بالبيعة للبهار، على نسق مناقض لبنية الشهادات في كتاب ابن برد الأصغر ببيعة الورد، حيث حافظ على ازدواجية كل شهادة بين خطابيْ النثر والشعر، إلا أنه جمع بينهما دفعة واحدة داخل كل شهادة على حدة، بينما قسمَها ابن برد إلى قسمين منفصلين، شهادات نثرية جماعية، تأتي بعدها شها... | Art-and-Literature |
- البنفسج شهد «أن البهار هو الملك الأفضل» | Art-and-Literature |
- والنرجس شهد «أن البهار بالملك أحق» | Art-and-Literature |
- والخيري النمام شهد «أن البهار بَهَرَ الأملاك» | Art-and-Literature |
- والأقحوان شهد «أن كل الزهور عبيد للبهار» | Art-and-Literature |
- والخيري الأصفر شهد «أن عقد الورد رد، وأن البهار أعلى وأمجد» | Art-and-Literature |
الخلاصة أن أي شخص يقرأ هاتين الرسالتين، مجردتين من أسماء الأزاهير، لن يساوره شك في أن موضوعيهما سياسيان بامتياز، نظرًا إلى المعجم والقضايا المُثارة فيهما، وهو ما يعني - بالفعل - أن الرسالتين ليستا إلا سجال قرطبة وإشبيلية، وأن الزهور هنا ليست إلا أقنعة سياسية لأطراف المفاضلة، مع ما تحمله هاتان الرسالتان من عِبَر ودروس ف... | Art-and-Literature |
من جهة أخرى يجب التنويه إلى أن تمركز الرسالتين على هذه الخلفية السياسية في رمزيتهما لا يعني إلغاء استخدام الكاتبين للزهور أقنعة مزدوجة، تعبّر عن الساسة، وعن الكُتّاب في الوقت ذاته، فابن برد والحميري - من خلال هذه الحَيل الفنية المبتكرة - يُعَبِّران عن ولاء كل منهما للحاكم المخاطب على حساب منافسيه، ويستعرضان قدراتهما في... | Art-and-Literature |
العجيب في مدونة هذه المفاضلات الزهرية أن الخيط الناظم بينها جميعًا، هو اعتمادها في رموزها ومقارانتها على مجموعة معيّنة من الزهور، تمثّل نخبتها الأشهر والأبهر | Art-and-Literature |
هكذا أيضًا، لا تخرج رسالتا ابن برد، وأبي الوليد الحميري عن الدائرة الزهرية ذاتها تفضيلًا وترميزًا، حيث ينحاز الأول إلى تفضيل الورد، وينحاز الثاني إلى تفضيل البهار، وهما طرفان في المفاضلات السابقة | Art-and-Literature |
على كل حال، لا بد من أن لهذا الدوران في هذه الحلقة الزهرية المفرغة علاقة بخصوصية الطبيعة في الأندلس، وطبيعة الذوق السائد لدى نخبها | Art-and-Literature |
تتنزل المفاضلة بين النخلة والكرمة «قابَ قوْسَيْن أو أدْنى«من المبحث السابق، من حيث تشخيص الأدباء الأندلسيين للنباتات عمومًا، واتخاذها أقنعة رمزية، إلا أن الخلفية هنا ترتبط بـالهويات الحضارية أكثر منها بالتحزبات السياسية، وهذا هو خط الوصل والفصل بين المبحثين | Art-and-Literature |
ما دام الحديث هنا يتمَحْوَرُ حول مَقامَة أبي الحسن النباهي (البُنَّاهي) التي تبنى على محاورة تفاضلية بين هاتين الشجَرتيْن، بما تحْملان من خلفيات رمزية، تحيل على الهويات الحضارية للأمم والشعوب، وبما أن النباهي (البُنَّاهي) كان صوتًا متأخرًا في العصور الأندلسية، فإننا بحاجة منهجية إلى توطئة تؤصل العلاقة بين الأندلس والنخ... | Art-and-Literature |
أعتقد أن هذا المستعرب الإسباني - على ضلاعته في الثقافة العربية - يصعب عليه أن يفهم سِرَّ العلاقة الروحية الرابطة بين الإنسان العربي والنخلة | Art-and-Literature |
يا نَخْلُ أنْتِ غريبةٌ مِثْلي | Art-and-Literature |
في الغرْبِ نائيةٌ عن الأصْل | Art-and-Literature |
ويقول فيها مرة أخرى: | Art-and-Literature |
تبدَّتْ لنا وسْط الرُّصافة نخْلةٌ | Art-and-Literature |
تناءتْ بأرْض الغرْب عنْ بَلَدِ النخْلِ | Art-and-Literature |
فقلتُ شَبِيهي في التَّغَرُّبِ والنوَى | Art-and-Literature |
وطولِ التَّنَائي عن بَنِيَّ وعنْ أهْلِي | Art-and-Literature |
مهما يكن إحساس هذا الأموي الداخل، وهذه النخلة الداخلة، بتمزق كينونتيهما بين المشرق والمغرب، الأصل والفرع، الوطن والمنفى، فإن لكل داخل في الحقيقة دهشًا، إذ سرعان ما توطدت عرى العلاقة بينهما مع الأندلس، وأصبح صقر قريش جدَّ سلالة الملوك الأمويين المتحكمين فيها، وأصبحت هذه النخلة – «الفيدانة» جدة جميع النخل الأندلسي، وأصبح... | Art-and-Literature |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.