text stringlengths 1 2.38k | en_topic stringclasses 10
values |
|---|---|
يـــا أهْــلَ أنْــدَلُــسٍ لله دَرُّكُــمُ | Art-and-Literature |
مـــاءٌ وظِـــلٌّ وأنهــارٌ وأشْجَــارُ | Art-and-Literature |
مـا جَنَةُ الـخُلْـدِ إلا فــي دِيـاركمُ | Art-and-Literature |
وهَذِه كنْتُ - لوْ خُيِّرْتُ - أخْتَارُ | Art-and-Literature |
ما دام هذا المكان قد أغرب في دعوى الفضل حتى على جنة الخلد، فأنا أعتقد أنه ليس من المستغرب أن ينازع المشرق والمغرب وأفريقيا قصب الأفضلية، ثم يتنازع التفاضل في ما بينه، كل مدينة منه تدّعي أنها أَولى بصفة الفردوس من غيرها، وذلك ما سيفتح باب تقسيم هذا الفصل على هذه الأطراف الأربعة للمفاضلة، بحسب مباحث بعددها | Art-and-Literature |
إن الأندلس، المتقَمِّصة روح المدينة الفاضلة، فاخرت الجنة العليا، فكيف لا تفاخر ما سوى ذلك، وتنازُعه قصبَ السَّبْق، حتى لو كانت بلاد المشرق التي هي أصلها ومرجعيَّتها الكبرى؟ فعلى الرغم ممّا كان يطبع المشرق من تعالي المركز على الأطراف، المُؤَجَّجِ بخلفيات سياسية وحضارية كثيرة، فإن العلاقة بـالأندلس شهدت حركة مَدٍّ وجَزْر... | Art-and-Literature |
كان المشرق - في البدايات - يتحفَّظ على أيِّ فضل للأندلس، وينظر إليها نظرة لا تخلو من ازدراء | Art-and-Literature |
مع مرور الزمن، تبيَّن أن استهانة المشرق بالأندلس ربما كانت - إضافة إلى الأسباب الأخرى - راجعة إلى غلالة من الجهل، ظلت تحجب ذلك الأفق البعيد المتمرِّد عن مرْمَى أبصار وبصائر المشارقة المتمركزين حول ذواتهم، وما قصة أبي علي القالي منا ببعيدة، فقد كان في طريقه إلى الأندلس - على الرغم من جاذبيتها التي استقطبته من بغداد - مز... | Art-and-Literature |
قال ابن بسام: «فبلغني أنه كان يَصِلُ كلامَه هذا بالتعجب، من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم، ويتغطَّى عنهم عند المباحثة والمفاتشة، ويقول: إن عِلمي علم رواية، وليس بعلم دراية، فخذوا عني ما نقلتُ، فلم آلُ أن صَحَّحْتُ، هذا مع إقرار الجميع له يومئذ بسعِةِ العلم وكثرة الروايات والأخذ عن الثقات» | Art-and-Literature |
هكذا كشفتْ معاينة القالي للأندلس زيْف التصورات القبْلية السلْبية التي كان مشحونًا بها، وتبدَّدَتْ أوْهام المركزية والأطراف، خصوصًا أن أبا علي البغدادي - وهو من هو - وجد في الوفد الرسمي الذي استقبله داخل الأندلس أحد علماء باديتها، يسمّى محمد بن يزيد بن رفاعة الأموي الإلبيري (ت 443هـ/1051م)، سقطَ القالي من عيْنه لمجرد أن... | Art-and-Literature |
من الواضح في تضاعيف نسج القصة أن جوهر الاستقطاب بين الدولتين الأموية في الأندلس والعباسية في العراق، ألقى بظلاله على عناصرها، حيث ذهب وافد بغداد إلى قرطبة، وأنوار الزهو بمركزية بلده تُعْمِي بصره، ثم لم يفق من سكرة كبريائه إلا على بدوي في بعض نواحي الأندلس يتسقَّط هفواته، وهو ما جعل أمير قرطبة يقرأ الحادثة بذهنية من حقق... | Art-and-Literature |
غير بعيد عن هذا المكان والزمان ذاتهما، يسجل أدباء الأندلس هدفًا ثانيًا على وافد عراقي آخر، هو صاعد البغدادي الذي أراد المنصور العامري أن ينافس به الحَكَمَ في أبي علي البغدادي الآنف ذكره | Art-and-Literature |
عندما سقط صاعد ذات مرة في بركة بحضرة ابن أبي عامر، طلب منه أن يصف الحادث ارتجالًا، فلم يوفق في حسن تعليله، فقال عبد الملك بن إدريس الجزيري: | Art-and-Literature |
لئنْ ظلَّ عبْدُكَ فيها الغريقَ | Art-and-Literature |
فجُودُكَ من قبْلها أغْرَقَهْ | Art-and-Literature |
فقال المنصور: «لله درك يا أبا مروان، قسناك بأهل بغداد ففضلتهم، فبمن تقاس بعد؟!» | Art-and-Literature |
إذا كان هذان الهدفان في صميم اللغة العربية - رَمْزِ الهوية - قد سجَّلتْهما الأندلس داخل حوزتها الترابية، على وافدين بغداديين كبيرين استقطبتهما إلى حضرتها، فإنها أرادت أن تسجل أكثر من هدف في شبكات العراقيين داخل العراق ذاتها، وغيرها من حواضر المشرق، وفي مجال اللغة الحساس ذاته | Art-and-Literature |
فهذا النحوي محمد بن أحمد بن طاهر الإشبيلي(ت 580هـ/1184م) قام برحلته إلى المشرق «وأقسَمَ أن ينتهي في رحلته تلك إلى البصرة حتى يُقْرِئَ كتابَ سيبويه في البَلَدِ الذي ألِّفَ فيه، متحريًا عن الموضع من الجامع الذي كان يؤخذ فيه عن سيبويه» | Art-and-Literature |
ذكراللغوي الكبير أبو حيان الغرناطي «في باب القَسَمِ أن الزمخشري (ت 538/1143م) رحل من خوارزم إلى مكة قبل العشرين والخمسمائة لقراءة كتاب سيبويه على رجل من أصحابنا يعرف بأبي بكر (عبد الله) بن طلحة اليابري، وكان مجاورًا بها، عالمًا بالكتاب وغيره، وله تصانيف تقرأ عليه» | Art-and-Literature |
هنا تكون جدلية الرحلة بين الطرفين قد جسرت الهوة بينهما، فأتاحت للطرف الأندلسي أن يقدِّم للمَشْرق أندَلُسَه كما يعرفها هو، لا كما يتصوَّرها مَنْ يَجْهَلها، وأتاحتْ للطرف المشْرقي أن يَكْتَشِف من الأندلس ما كان يجهله | Art-and-Literature |
إذا كان البُعد المكاني مشوِّشًا على منظار المؤرخ هنا وهناك، فليس له كبير تأثير في حظ الأندلس من الإبداع، على الرغم من انتباذها مكانًّا قصيًّا من العراق، مركز الحضارة العربية الإسلامية يومها، إذ يقول ابن حزم بعد سرْده مؤلفات وطنه في كل حقول المعرفة : «فبلدُنا هذا - على بُعده عن ينبوع العلم، ونأيه عن محلة العلماء - فقد ... | Art-and-Literature |
يبدو أنه لا يرد بهذا الكلام على ابن الربيب بقدر ما يرد على أبي علي القالي، في معادلته السابقة التي نسفها الواقع الماثل أمام عينيه، قبل أن ينسفها ابن حزم هنا | Art-and-Literature |
مهما يكن، فإنه أمام ذلك التفاعل الثقافي الخلاَّق بين الدولتين، وأمام إصرار الأندلس على التمادي في رسْم مَلامح شخصيتها المستقلة، وانتزاع الاعتراف بخصوصيتها الإبداعية، مهما تطاول الزمن - أخذت الحُجُبُ الوهمية والتصوراتُ القبْلية تتهَاوَى شيئا فشيئًا | Art-and-Literature |
ساعد في ذلك تنازلُ المَشارقة أمام ذلك الإصرار، فتنامَى اهتمامهم بإنتاج الأندلس، وأخذوا يلهجون بالسؤال عن جديدها، ويُكَلِّفون وافديها بالتأليف عنه، حتَّى تنقشع تلك الغمامة التي لمْ تكنْ غمامة صيف، على كل حال | Art-and-Literature |
هكذا، وضع الأندلسيون لها - لطول ما تمرَّسُوا بهذه المفاضلات بين الأمكنة - قانونًا يضبط مساراتها، فاستنبط ابن الخطيب بأخرة من العهد الأندلسي - قواعد هذا القانون من مواضعات سابقيه في هذا الميدان، فقال في مفاخرته بين مالقة وسلا: «إن الأمور التي تتفاضل بها البلدان، ويتفاخر بها الإخوان | Art-and-Literature |
على هدي هذا الميزان المتعدد الكفاف، رسم الكتَّابُ الأندلسيون لبلدهم صورة مركّبة الأبعاد، تأخذ من بلاد المشرق - شامًا ويمنًا وهندًا وصينًا - أرْوَعَ محاسنها، وأبهى ملامحها | Art-and-Literature |
على الرغم من أن عناصر ميزان المفاضلة حظيت باهتمام الأندلسيين في مفاضلاتهم، فإننا نرى أن استقصاء تجلياتها الكثيرة سيخرجنا من مجال الأدب الذي هو محور عملنا، إلى فضاءات حضارية وجغرافية لا يسمح بها المقام | Art-and-Literature |
هذا مع العلم أن أي فضيلة لمكان لا دخل للإنسان فيها يعتبر التفاضل بها في غير محله، وهذا ما جعل الأندلسيين أنفسهم يركزون على العلم والعلماء، وكأنهم يؤكدون أن «العلم وحده هو مصدر التفاضل»، وأن «العلماء وحدهم (هُم) الذين يحق للبلدان أن تتفاضل بهم» | Art-and-Literature |
يبدو أن ذهنية افتخار البلدان بمبدعيها ظلت مُتَجَذِّرَة في الأندلس، وشائعة في تحْلِيَاتِ مترجَمِيها، فنرى صاحب المسهب يقول عن عبد الملك بن غصن الحجاري (ت 454/1062م): «هذا الرجلُ يفخرُ به إقليم، لا بلد»، وقد ردَّدَ عبارات من هذا القبيل في حَقِّ كلٍّ من حفصة بنت حمدون الحجارية، وبلديتها أم العلى البربرية، كلتاهما من شعراء... | Art-and-Literature |
هذه الشذرات كلها تُزَكِّي استمرارَ هذه النزعة لدى الأندلسيين حتى ابن الخطيب، أهَمّ متأخري أعلامهـم الذي نراه بعدما أمْعَنَ في تناول جميع عناصر قانون المفاضلة المذكورة أعلاه، أفرَدَ فقرة للساكن باعتباره «روح المَسَاكن» مع أنه لم يضعه عنصرًا متميزًا ضمن قواعد المفاخرة، مسوِّغًا ذلك بأن سُكَّان مالقة أكبر من مدار هذه المف... | Art-and-Literature |
إذا كان المنحى هنا يتوجه إلى مشروعية فخْر المكان بالسُّكان، فإن ذلك لا يلغي تأثير المكان في عبقرية هذا الإنسان وتميُّزه وإبْداعه، لأن لكل بلد بَصْمَته الدامغة في تكوين إنسانه، حتى تولَّد عن هذه الجدلية الخَلاَّقة ما يُعرف اليوم بـ «جغرافية الفكر» التي تتنزل أطروحتنا هذه في سياقها العام | Art-and-Literature |
إذا كان كتاب جغرافية الفكر يرصد التمايزات الفكرية بين الغربيين والآسيويين، بحسب اختلاف جغرافياتهم، فإن هذا هو جوهر المفاضلة بين الأندلس والمشرق، بحسب رأي الحجاري الذي يرى في المسهب أن «الأندلس عراق المغرب عِزَّةَ أنساب، ورقة آداب، واشتغالًا بفنون العلوم، وافتنانًا في المنثور والمنظوم، لم تَضِقْ لهم في ذلك ساحة، ولا قصّ... | Art-and-Literature |
بالجملة فإنهم في جميع الأوصاف والتخيلات أئمة، ومن وقف على أشعارهم في هذا الشأن فضلهم فيه على أصناف الأمة، وقد أعَانهم على الشِّعْر أنْسابُهم العَرَبية، وبقاعُهم النَّضِرَة، وهِمَمُهم الأبية» | Art-and-Literature |
هكذا تنتهي بنا هذه التوطئة الضرورية إلى جوهر الإبداع في المجال العلمي عمومًا، والأدبي خصوصًا، الذي هو المَدَار الحقيقي للمفاضلة بين الأندلس والمشرق، المحكومة بتجاذب الاتباع والابتداع، عبر تاريخ التفاعل الثقافي بينهما | Art-and-Literature |
الحقيقة أن هاجس تقديس الأندلسيين للمشارقة تحوّل في بعض الأحيان إلى وسواس قهري، استحوذ على نفوس مبدعي الأندلس، وحتى في عالم الأحلام، وهو موضوع طريف يتأطَّر ضمْن هذه العلاقة، ولكن الدارسين لم يتناولوه، ولذلك أحببتُ أن أقف هنا أمام صورتين مهمتين في هذا الصدد، جاعلاً إياهما مدخلًا للموضوع؛ فيحيى بن هذيل (ت 386/996م)، أحد ك... | Art-and-Literature |
إذا تطفّلنا على تعبير الرؤيا - «وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين» - فإن أهل الأندلس كانوا يومئذ، كما يبدو، لا يأخذون هذا النوع من القصص مأخذ أضغاث الأحلام، إذ هناك مفسر يُداوم في وظيفته، ويلجأ إليه، حتى في أوقات السَّحَر، زدْ على ذلك أن في القصة رحلة من تلميذ أندلسي إلى شيخ مشرقي في فن الشعر، اختزلت الزمان والمكان، في عا... | Art-and-Literature |
القصة الثانية التي تدخل في إطار هذا الوسواس القهري، المتسلط على نفوس الأندلسيين في تقديسهم للمشرق ومرجعيته الأدبية، يرويها ابن خيرة المواعيني عن نفسه، وإن كان لا يفصح هل تصورها في عالم الحلم أو عالم اليقظة، حيث يقول: إنه رأى كتاب البيان والتبيين، للجاحظ بحاجة إلى تشذيب، قال: «فسولتْ لي نفسي أنْ أخْتصرَه وأحْذفَ ما أطال... | Art-and-Literature |
إذا أردنا أن نتخذ من هاتين القصتين قنطرة للعبور من الأحلام إلى عالم اليقظة - والفارق بينهما في عالم الأدب شفيف جدًا - فسنجد أن المفسر قد قال لابن هذيل إن حظه من الشعر سيكون على مقدار احولال نظرة أبي نواس إليه، وهنا يبدو أن ابن هذيل تمعن مليًّا في تلك النظرات الشزراء، إذ أصبح - في الأندلس - «شاعر البلد»، بل «عالِم أدباء... | Art-and-Literature |
ومَاذا عليْهمْ لوْ أجابوا فسَلَّمُوا | Art-and-Literature |
وقد علِمُوا أنِّي المَشُوقُ المُتَيَّمُ | Art-and-Literature |
سرَوْا ونُجومُ الليْل زُهْرٌ طــوَالِــعٌ | Art-and-Literature |
على أنَّهمْ بالليْل للنَّـاس أنْجُمُ | Art-and-Literature |
وأخفوا على تلك المطايا مسيرهم | Art-and-Literature |
فنمَّ عليــها | Art-and-Literature |
فبالغ أحد الحاضرين في استحسانها، قائلًا: هذا ما لا يقدرُ عليه أنْدلسي، فبادَرَهُ ابن هذيل بديهة: | Art-and-Literature |
عَرَفْتُ بعَرْفِ الرِّيح أيْنَ تَيَمَّمُوا | Art-and-Literature |
وأيْنَ اسْتَقَلَّ الظاعِنُونَ وخَيّمُوا | Art-and-Literature |
خَليلَيَّ رُدَّانِي إلى جَانِبِ الحِمَى | Art-and-Literature |
فلسْتُ إلى غيْر الحِمَى أتَيَمَّمُ | Art-and-Literature |
أبِيتُ سَميرَ الفَرْقَدَيْن كأنَّما | Art-and-Literature |
وسادي قتاد أو ضجيعي أرقم | Art-and-Literature |
بل إن ابن هذيل هذا انتزع الاعتراف بشاعريته أكبر شعراء المشرق: المتنبي «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، حين سمع قوله: | Art-and-Literature |
إذا حبَسْتُ على قلبي يَدِي بِيَدِي | Art-and-Literature |
وصِحْتُ في الليْلةِ الظلْمَاءِ: وَاكَبِدِي | Art-and-Literature |
ضجَّت كواكبُ ليْلِي في مَطالِعَها | Art-and-Literature |
وذابت الصَّخْرَةُ الصَّمَّاءُ مِنْ جَلَدِي | Art-and-Literature |
«قد ذكرَ أنَّ المُتنبِّي أنْشدَ من شِعْر أهْل الأندلس، حتى أنشد هذين البيتين فقال: هذا شاعر القوم» | Art-and-Literature |
للمتنبي أيضًا قصة اعتراف أخرى بعبقرية ابن عبد ربه «شاعر البلد» الذي ما مات حتى ترامى صدى إبداعه إلى أذن أبي الطيب، وأصبح يسمّيه «مليح الأندلس»، فرُوِي «أنَّ الخطيبَ أبا الوَليد بن عباد حَجَّ، فلمَّا انْصَرَفَ، تطلَّعَ إلى لقاءِ المتنبي واستشرف، ورأى أنَّ لقْيَتَهُ فائدةٌ يَكتسِبُها، وخلَّةُ فخْر يَحْتَسِبُها، فصار إليه... | Art-and-Literature |
يا لؤْلُؤًا يَسْبِي العُقولَ أنِيقَا | Art-and-Literature |
ورَشًا بتَقْطيعِ القُلوبِ رَفِيقَا | Art-and-Literature |
فلما اكتمل إنشاده استعادها منه، وقال: يا ابن عبد ربه لقد تأتيك العراق حبوًا» | Art-and-Literature |
أمّا أبو نواس، بطل حلم ابن هذيل، فيبدو أن نظرته – حَيًّا، وفي عِزِّ يَقْظَتِه - إلى الأندلس وإبداعها الشعري، كانت غير حولاء، وحتى أيام كانت الأندلس في بواكير منجزها الإبداعي، فحين سمع شعر أبي المخشي: عاصم التميمي، من شعراء المئة الثانية في العمى، قال: «هذا الذي طلبتْه الشعراء فأضَلَّتْه» | Art-and-Literature |
على الرغم من أن أبا المخشي هذا أعرابي مشرقي دخل صغيرًا إلى الأندلس، في عهد عبد الرحمن الداخل مؤسس إمارتها، فإن هذا الدر الثمين الذي أعيا الشعراء في المشرق، بمن فيهم أبو نواس، بحسب اعترافه، لم يحصل عليه أبو المخشي إلا بعد ما متع عينيه - قبل فقدهما - من جمال الأندلس، وتضمخت أوردة رئتيه من عبيرها الزكي، ففسخت روحه جلد الأ... | Art-and-Literature |
هما مَهَّدا لي العَيْشَ حتَّى كأنَّنِي | Art-and-Literature |
خفيَّةُ رفٍّ بينَ قَادِمَتَيْ نسْرِ | Art-and-Literature |
قال ابن حزم: «إنَّ هذا البيْتَ رَدَّ ابن هرمة عن الأندلس، وقد وصل إلى تيهرت، حين أُنْشِدَهُ في جُمْلة ما أنْشِدَهُ من شعره» | Art-and-Literature |
قبل الابتعاد عن أبي نواس وعلاقته بالاعتراف بالإبداع الأندلسي، نلاحظ أن بعض تلاميذ النواسي لم يَرِثُوا حُسْنَ رأيه في شعر الأندلس، إذ انتصب جدار التعصب بينهم مع الإنصاف، ويتجَلَّى ذلك من خلال قصة بعض أدباء مصر مع شعر يحيى الغزال (ت 250هـ/864م)، إذ يروي الحميدي أن سعيد بن أحمد بن خالد «لمّا رحل إلى المشرق لقيه بعض الأدبا... | Art-and-Literature |
وكنتُ إذا ما الشَّرْبُ أكْدَتْ سماؤهمْ | Art-and-Literature |
تأبَّطتُ زقِّي وأحْتَضَنْتُ عنائي | Art-and-Literature |
ولما أتيْتُ الحانَ نَبَّهْتُ أهْلَهُ | Art-and-Literature |
فَهَبَّ خفيفُ الروح نحْو نِدائي | Art-and-Literature |
قليلُ هُجُوع الليْل إلا تَعِلَّة | Art-and-Literature |
على وَجَلٍ مِنِّي ومنْ نُظرائي | Art-and-Literature |
فلمّا سمعه المصري طرب واهتز وقال: لله دَرُّ الحسن، فلما أكثر قال له: الشعر – والله - ليحيى بن الحكم الأندلسي، وإنما أردْتُ تجربَةَ نَقْدِكَ، والنقضَ عليْكَ، فرَدَّ ذلك وأنكره، حتى صَحَّ عنده فخَجِلَ، وأظهَرَ التعَجُّبَ، ولم يُراجعْ بعد في أشعار الأندلس، قال: وكان كثيرًا ما يستنشدني لهم» | Art-and-Literature |
أمّا قصة ابن خيرة المواعيني، وانصرافه عن تهذيب البيان والتبيين فزعًا من صورة الجاحظ البشعة، فإنها قادته إلى تأليف كتابٍ مُسْتَبِدٍّ، خالص من النواقص التي شابت بيان الجاحظ | Art-and-Literature |
غير بعيد عن هذه الموازانات بين مبدعي المشرق والأندلس التي لا تَرْضَى بأقل من النِّدِّية، تندرج ظاهرة انتحال أسماء الأدباء المشارقة لنظرائهم الأندلسيين، وهي الظاهرة التي تستبطن النزوع إلى إقامة عالم أدبي في الأندلس، يحقق الاكتفاء الذاتي عن العالم الأدبي في المشرق، «فـالرصافي ابن رومي الأندلس، ومروان بن عبد الرحمن ابن مع... | Art-and-Literature |
يمكن أن أضيف إلى هذا المَسْرَد أن أبا الأجرب: جعونة بن الصمة الكلابي من شعراء عصر الولاة، كان فارسًا شجاعًا يدعى «عنترة الأندلس» | Art-and-Literature |
أما الأعمى أبا بكر المخزومي من شعراء عصر الموحدين فوصفه الحجاري بأنه «بشار الأندلس انطباعًا ولسنًا وأداة، وهو الذي أحيا سيرة الحطيئة بالأندلس» | Art-and-Literature |
ما دامت الروح الشعرية والنفس الإبداعي هما هما، مهما اختلفت لغة الفصيح والزجل، فقد «كان أهل الأندلس يقولون: ابن قزمان في الزجالين بمنزلة المتنبي في الشعراء، ومدقليس بمنزلة أبي تمام» | Art-and-Literature |
على إيقاع هذه الموازنات الندِّية المتكافئة بين الأندلس والمشرق، يعزف ابن حزم مباهيًا ومسابقًا ومجاريًا ومناطحًا علماء المشرق، في كل فن، بنظرائهم الأندلسيين، حتى إذا وصل إلى وادي الشعر قال:«ولو لمْ يكنْ لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن محمد بن دراج القسطلي لما تأخَّرَعن شأو بشار بن برد، وحبيب، والمتنبي، فكيف ولنا معه جعف... | Art-and-Literature |
يبدو أن ابن حزم قفز – على أهل أفريقيا – متجاوزًا إلى المفاضلة بين علماء الأندلس وأدبائها مع أضرابهم من المشرق، إمعانًا في تجاهل المنافس الأفريقي وتَبْكِيتِه بمفاضلة من هو فوقه، إلا أن تقديره الشديد للعراق لم يسمح له بدعوى تفوق الأندلسيين عليها، مكتفيًا بالمماثلة فقط، وهذا في الحقيقة هو المأخذ الذي انطلق منه ابن الربيب ... | Art-and-Literature |
لكنَّ صرخة ابن الربيب المتأففة من الاكتفاء بتقليد المشرق ومماثلته كانت موجودة في الأندلس قبله، فدشنها – تأليفًا - كتاب عبادة بن ماء السماء في أخبار شعراء الأندلس، وابن فرج الجياني من خلال كتابه الحدائق الذي يقول عنه ابن حزم: إنه «عارضَ به كتاب الزهرة لأبي محمد بن داود رحمه الله تعالى، إلا أن أبا بكر إنما أدخل مائه باب ... | Art-and-Literature |
هذه المؤلفات الثلاثة التي ذكرها ابن حزم في رسالته، يجمع بينها أنها تمَحَّضَتْ للأدب الأندلسي، وضربت صفحًا عن الأدب المشرقي، من دون إعلان مهاجمته، بحسب ما هو موجود منها | Art-and-Literature |
إلا أن أصوات التذمر من هيمنة الأدب المشرقي سرعان ما أعلنت نفسها في موجة من المؤلفات الأندلسية، المفصحة بالتحرر من التبعية العمياء لتلك الأصنام، والرافعة دعوى التفوق الأندلسي على المشرق، ملء أفواهها، ولعل أول هؤلاء هو ابن عبد ربه الذي اشتغل - عبر عقده الفريد - بمعارضة بعض الشعراء المشارقة، كما خصص ابن فرج الجياني كتابه ... | Art-and-Literature |
مكرسًا هِمَّتَه ودَأبَه لمبتَكرات الأندلسيين، من معاصريه خصوصًا، متنكبًا عن أشعار المشرق المألوفة الملوكة، إذ يقول: «ولستُ أودِعُه إلا ما أذكرُ لأهْلِ الأندلس خاصة في هذا المعنى، إذ أوصافهم لم تتكرَّرْ على الأسماع، ولا كثر امتزاجها بالطباع، فترِدُها شيقة، وترُودُها تيقة | Art-and-Literature |
أمّا أشعار أهل المشرق، فقد كثر الوقوف عليها، والنظر إليها، حتى ما تميلُ إليها النفوس، ولا يَرُوقها منها العِلْقُ النفيس، مع أنني أستغني عنها، ولا أحوج إليها، بما أذكره للأندلسيين، من النثر المُبْتَدَع، والنظم المُخْتَرَع، وأكثر ذلك لأهل عصري، إذ لم تغِبْ نوادرُهم عن ذكري» | Art-and-Literature |
على هذا الوتر المتذمر من إهمال الأندلسيين لإبداعهم الإقليمي، الأجدر بالعناية والتدوين، وانكبابهم - في مقابل ذلك - على أدب المشرق المستهلك، يتابع ابن بسام معزوفة الحميري، من دون أن يعلن تقليده إياه، إذ يقول: «إن أهْلَ هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق… | Art-and-Literature |
شارك ابن بسام الحميري في التأفف والضجر من الموضوعات المستهلكة، ساخرًا من مطالع المعلقات المقدسة سخرية المؤمن من الأصنام الوثنية الصماء، «إذ كلُّ مُرَدَّدٍ ثقيل، وكل مُتَكَرَّرٍ مَمْلول، وقد مَجَّت الأسماع: ‘يا دار مية بالعلياء فالسند’… أما آن أنْ يصم صداها؟ ويسأم مداها؟ وكم من نكتة أغفلها الخطباء، ورب متردم قد غادرته ا... | Art-and-Literature |
الواقع أن ابن حزم والحميري وابن بسام شاركوا ابن الربيب القيرواني مؤاخذته الأندلسيين بإهمال تخليد إبداعهم، إلا أنهم انفردوا عنه بتشخيص هذا المرض، متواطئين على تحديد «علة الحسد» المتفشية في الأندلس - خصوصًا بين المبدعين الأحياء - سببًا في هذا الإهمال السفيه لروائع أمّة تضمحل وتتلاشى، بين يدي أهلها النابذين للأقرب، والمحت... | Art-and-Literature |
يتوصل الحميري إلى النتيجة نفسها حين يعلل إغراء الأدب الأندلسي بالتأليف، لعزوف المصنفين عن تناوله، قائلًا: «وإنما ذلك لتضييع أهل بلدهم لأكثرها، وغفلتهم عن جلها، إنكارًا لفضلها، مدة بقاء أهلها، فإذا انقرضوا تأسفوا، بقدر ما كانوا تنسفوا، وحينئذ لا يجدون إلا قليلًا يغيب في كثيرها، وثمادًا يغيض عند بحورها» | Art-and-Literature |
واطأهما ابن بسام في تعليله تداركه ذخيرة محاسن جزيرته الآيلة إلى الانقراض، بفعل إهمال ذوي القربى الأشد مضاضة، قائلًا: «وقديما ضيعوا العلم وأهله، ويا رب محسن مات إحسانه قبله» | Art-and-Literature |
أما ابن شهيد، معاصر ابن حزم، فإنه لم يجشم خياله عناء اختلاق تلك الرحلة الإبداعية الافتراضية التي تفاضل فيها مع أدباء العربية، عبر العصور كلها، إلا إمعانًا في تبكيت حَسَدَتِهِ، داخل الأندلس، ولذلك فتح لهم نافذة في قصته، حين جعل أصداء حسدهم له تسبقه إلى شياطين الإلهام، في عالم الجن، إذ قالوا له: «وقد بلغنا أنك لا تجازى ف... | Art-and-Literature |
لم تقتصر هذه الرؤية المتفشية بين أدباء الأندلس على هؤلاء، إذ نجد ابن زيدون يسوغ فراره من السجن، لمن أنكر عليه ذلك، قائلًا: «فنظرتُ مُفارقة الوطن، إذ قديمًا ضاعَ الفاضلُ في وطنه، وكَسَدَ العِلْقُ الغبيط في مَعْدنِه» | Art-and-Literature |
مهما يكن، تكثَّفت أصواتُ هذه الحركة الوطنية المناهِضة لتقديس الأدب المشرقي، وإهمال الأدب الأندلسي، حتى لا تكاد تجد كتابًا يؤلَّف في الأندلس - بمبادرة من الكاتب، أو بإيعاز من الحكام - إلا وهو معارض لنظير مشرقي، يسعى للتفوق عليه | Art-and-Literature |
لكن من الإنصاف الاعتراف هنا بأن لحكام المشرق ومتنفذي مثقفيه - ممن لا يخافون مزاحمة وافدي الأندلس والمغرب المتألقين - دورًا كبيرًا في تأليف أمَّهات المُدَوَّنات الأندلسية الخالدة التي كُتبتْ في المشرق، مثل: جذوة الحميدي، ومغرب اليسع بن عيسى بن حزم، ومطرب ابن دحية ومغرب ابن سعيد ومعجب المراكشي ونفح المقري | Art-and-Literature |
من الملحوظ أن هذه العناوين كلها طافحة– زهوًا - بهذا المنجز الإبداعي الأندلسي، المؤلف - غالبًا - في مناخ السجال المحتدم بين المشرق والمغرب عمومًا، والأندلس خصوصًا | Art-and-Literature |
إذا اكتفى أغلب هؤلاء بتقديم الأدب الأندلسي للمشارقة، من دون الدخول في المهاترات، ربما احترامًا للبلد المضيف وللموعز بالتأليف، فإن ابن دحية أبدى امتعاضه، ولم يتمالك غضبه، أمام إحساسه بثقل وطأة التعصب الأعمى لدى بعض المشارقة تجاه الإبداع الأندلسي؛ فهو يعقِّب على شعر يحيى الغزال ، مستحضرًا القصة الآنفة، قائلاً إنه لو نُسب... | Art-and-Literature |
ما يوحِّد هذه الأصوات المعتزة بأندلسيتها في الداخل والخارج، والمحتجة على اطِّراح إبداع هذه الجهة، من طرف أهله في المغرب والمشرق، هو أن المفاضلة بين الأدباء، هنا وهناك، ما عادت تقف عند حد المماثلة، اغتباطًا بتلك الدرجة، بل أصبحت تصرح بتفضيل الطرف الأندلسي على الطرف المشرقي، أينما كانت موازنة، وفي أي موضوع، فـابن بسام يق... | Art-and-Literature |
رافق هذا الإحساس بالتفوق على المشرق كتّابَ الأندلس، حتى الرمق الأخير من حياة هذا الفردوس المفقود، إذ يقول المقري: إن أقلام أبي يحيى بن عاصم متفوقة «فيما يملي عليها من البيان، الذي يقر له بالتفضيل الملك الضليل، ويشهد له بالإحسان حَسَّان، ويحكم له ببري القوس، حبيب بن أوس، ويهيم بما من الأساليب عنده، شاعر كندة، ويستمطر سح... | Art-and-Literature |
إذا كان هذا رأي نقاد الأندلس وكتّابها في مبدعيها، فيبدو أنه لم يكن افتئاتًا على هؤلاء المبدعين، فإذا كان الأمير المظفر بن الأفطس - في عصر الطوائف - يستحث عبقريات شعراء بلاطه، بقوله: «من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي وشعر المعري، فليسكتْ، لا نرضى بدون ذلك»، فإننا نجد أبا بحر صفوان بن إدريس المرسي التجيبي - بعد ذلك في العص... | Art-and-Literature |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.