Datasets:

text
stringlengths
1
2.38k
en_topic
stringclasses
10 values
في الجانب الحضاري، وغير بعيد عن تداعيات البياض، نلاحظ أن على الرغم من الزي الرسمي العام، فإن الأندلسي لم يكن يحبس نفسه في لون واحد ولا زي موحد، بقدر ما كان يرتدي زيًّا مشتركًا في طابعه العام، لكنه متعدد في تباين أذواقه، المتأثرة بالمزاج الشخصي والعادات المتنوعة، والمتفاضلة بحسب الطبقات، حيث كان «عامة الأندلس لا يتعممون...
Art-and-Literature
نظرًا إلى وجود الأندلس في ملتقى الحضارات، فإنها كانت أحيانًا تؤثر في الآخر بزيها المميز داخليًّا وخارجيًّا؛ فعلى المستوى الداخلي، حيث تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود في كنف الإسلام شعبًا أندلسيًّا موحَّدًا، كانت ألبستهم المتعددة «مشتركة بين الطوائف الثلاثة، في رخيصها وثمينها»
Art-and-Literature
في المقابل، كان الأندلسيون يتأثرون - أحيانًا أخرى - بجوارهم المسيحي، في زي السلم والحرب معًا، حيث يقول المقري:«وكثيرًا ما يتزيَّى سلاطينهم وأجنادهم بزي النصارى المجاورين لهم»
Art-and-Literature
تمادى نزوع الأندلسيين إلى التميّز حتى في المجال الاصطلاحي، إذ اخترعوا تسميات خاصة بالأندلس، تَسِمُ ملامح شخصيتهم الحضارية في مختلف المناحي؛ فقد وضعوا لسلّم المواطَنة الأندلسية عندهم معجمًا اصطلاحيًّا يعبّر عن تدرجها في تصورهم، بدءًا من أجدادهم «الداخلين» الذين كان الأمير عبد الرحمن «الداخل» أشهرهم، ولكنه ليس الأول ولا ...
Art-and-Literature
غير بعيد عن مصطلحات سلّم المواطنة، سمّوا من أسلم من يهود الأندلس «الإسلامي»، تمييزًا له من المسلم، كما أطلقوا اسم «المستعربين» على طبقة الإسبان المسيحيين المتشبعين بالثقافة العربية، داخل الشعب الأندلسي
Art-and-Literature
في النظام الإداري، ارتقتْ الحِجابة عندهم - أول مرة - إلى درجة رئاسة الوزراء، بعدما كانت في المشرق مجرد حراسة وتنظيم للداخلين والخارجين
Art-and-Literature
في مجال الألقاب التشريفية، خرق الأندلسيون المواضعات الدارجة في مألوف هذه الألقاب، مبتكرين «التسويد» من صفة «السيد»، و«التمويل» من لقب «المولى»، معتبرين الأخير أسمى من الأول، وذلك ما يُفهم من كون أبي عيسى بن لبون (القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي) عهد إلى أبي الحسن راشد بن سليمان (القرن الخامس الهجري/الحادي عشر ا...
Art-and-Literature
ثقَّلْتَ روحَكَ أيّما تثْقيلِ
Art-and-Literature
فيما قصَدْتَ له من التمْويلِ
Art-and-Literature
هذا على أنِّي عهدْتُكَ خِفَّةً
Art-and-Literature
كرسول بُرْءٍ حَلَّ عِنْدَ عَلِيلِ
Art-and-Literature
فراجعه راشد معتذرًا:
Art-and-Literature
لا والذي أوْلاكَ ألْوِيةَ النَّدَى
Art-and-Literature
وحَبَاكَ منْ خطَطِ العُلَى بِجَزيلِ
Art-and-Literature
ما حدْتُ عنْ سَنَنِ الكِتابةِ عامِدًا
Art-and-Literature
ولو اعْتَمَدْتُ فعَلْتُ فِعْلَ ثَقِيلِ
Art-and-Literature
لكنْ بَنانِي انْكَرَتْ ما عُوِّدَتْ
Art-and-Literature
فتَسَرَّعَتْ بكِتابَةِ التَّمْويلِ
Art-and-Literature
على هذا اللقب الأسمى، يُصِرُّ ابن عمَّار أيضًا في مخاطبته أبي مروان عبد الملك ابن رزين (496هـ/1103م) أحد أمراء الطوائف:
Art-and-Literature
سأقرنُ بالتمْويلِ اسْمَكَ كُلَّمَا
Art-and-Literature
تعَاوَرَتْ الأسماءُ غيْرَكَ والكُنَى
Art-and-Literature
حتى مجال التأليف لم يسلم هو الآخر من ظلال خصوصية المصطلحات الأندلسية: «فلئن شاع استعمال كلمة ثبْتٍ ومعجم ومشيخة في المشرق للكتاب الذي يتحدَّث فيه مؤلفه عن شيوخه وما أخذ عنهم، فإن المغاربة والأندلسيين شاع عندهم استعمال كلمة الفهرس والبرنامج لهذا النوع من الكتب»
Art-and-Literature
امتدت هذه الخصوصية الاصطلاحية إلى تسميات الزهر: «فالذي يسميه أهل المغرب نرجسًا يسميه أهل المشرق بهارًا
Art-and-Literature
في المجال الاجتماعي، والتنظيم الطبقي خصوصًا، إخالهم تفرَّدوا بوصف النخبة بمصطلح: «البياض»
Art-and-Literature
في المجال الفني عمومًا، والموسيقي خصوصًا، بَصَمَت الخصوصية الأندلسية تلاحين الغناء بطابع شخصيتها المميّزة، ولو بشكل تدريجي، إذ يقول أحمد التيفاشي (580 - 651 هـ/1184 - 1253م) في كتابه متعة الأسماع في علم السماع: «إن أهل الأندلس في القديم كان غناؤهم إمّا بطريقة النصارى، وإمّا بطريقة حُدَاةِ العرب، ولم يكن عندهم قانون يعت...
Art-and-Literature
ربما يكون هذا الطبع الأندلسي الذي كان يبحث عن إشباع لخصوصيته، هو الذي جعل زرياب لا يضيف الوتر الخامس للعود إلا بعد أن دخل الأندلس، وهو ما يعني أن تركيبة الذوق الأندلسي الغني الروافد لا تكفيها أربعة أوتار
Art-and-Literature
في كنف هذا الذوق الموسيقي الأندلسي المميّز، المستنبط - عبر صيرورة تشكله - من تلاقح الذوقين: العربي المشرقي، والإسباني الغربي، نبت شعرا الموشح والزجل، متشبعين بروح هذا المناخ التفاعلي الخلاق، المبصوم بملامح أندلسية مميزة، استجابة لمقتضيات هذا الطبع المتفرد، وإشباعًا لذلك النزوع الاستقلالي المتجذر في ذهنية القوم، «غير أن...
Art-and-Literature
في ملمح آخر من ملامح الخصوصية الفنية، أصر الأندلسيون على أن يكون لهم أيضًا خطهم المميّز والخاص، ليأخذ اسمهم مثل ما للكوفة خطها ولفارس خطها، وهنا يسجل ابن غالب: محمد بن أيوب البلنسي (767هـ/1366م) صاحب فرحة الأنفس، أن «من فضائلهم اختراعهم للخطوط المخصوصة بهم، قال: وكان خطهم أولًا مشرقيًّا»
Art-and-Literature
قال ابن سعيد: «أمّا أصول الخط المشرقي، وما تَجِدُ له في القلب واللحظ من القبول، فمُسَلَّمٌ له، لكن خط الأندلس الذي رأيته في مصاحف ابن غطوس، الذي كان بشرق الأندلس، وغيره من الخطوط المنسوبة عندهم، له حسن فائق ورونق آخِذٌ بالعقل، وترتيب يشهد لصاحبه بكثرة الصبر والتجويد»
Art-and-Literature
في قراءة كتب التراجم الأندلسية تتجلى عنايتهم بالخط وتجويده وضبطه، مبثوثة في تحْلِيات المُتَرْجَمَ لهم، باعتباره من أهم مكونات منظومة المعارف والمهارات والإبداعات، التي يتمتع بها العلماء في الأندلس، وهو ما يعني أن خطوط ابن غطوس التي ركز عليها ابن سعيد لم تكن ظاهرة معزولة، وإنما هي مجرد نموذج
Art-and-Literature
المهم أن الشخصية الأندلسية مثلما كانت تفاضل بين خطها والخطوط الأخرى، كانت تتعصب لهذا الخط الذي أصبح يُنسب إليها ويمثّل أحد مكوناتها، وتدافع عنه بشراسة
Art-and-Literature
وظف الأندلسيون خصوصية خطهم هذه في شرحهم لبعض التعابير الدارجة على ألسنة الشعراء مشرقًا ومغربًا، مثل تشبيه عناق المحبين بعناق اللاَّم والألف، كما هو في المقامات الحريرية
Art-and-Literature
عانقْتُهُ ورِدَاءُ الوَصْلِ يَجْمَعُنا
Art-and-Literature
إلى الصباحِ عِنَاقَ اللاَّمِ لِلألِفِ
Art-and-Literature
شريشي آخر هو أبو العباس أحمد بن عبد المؤمن (ت 619هـ/1222م)، أكبر شُرَّاحِ المقامات الحريرية في الأندلس على الأقل، لم يفته أن يوظف الفرق بين الخطين في تعليقه على قول الحريري (ت 516/1122م) في المقامة 31: «فعانقته عناق اللام للألف، ونَزَّلْتُه منزلة البرء عند الدنف»، حيث عقب الشريشي: «أمّا بخط المغرب فلا معانقة بينه...
Art-and-Literature
مهما يكن الاختلاف في حق ريادة الموشحات، فإنها في رأي ابن دحية «زُبْدَةُ الشِّعْر ونُخْبَتُه، وخُلاصة جَوْهَره وصَفْوَتُهُ، وهي من الفنون التي أغْرَبَ بها أهل المغرب على أهل المَشْرق، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المُشْرِق»
Art-and-Literature
تُعتبر نشأة هذين الشعرين في نظر ابن خلدون (ت 808هـ/1405م) ترفًا في الإبداع، فـ «أهلُ الأندلس لما كثُرَ الشعر في قطرهم، وتهذَّبَتْ مَناحيه وفنونه، اسْتحدثَ المتأخرون فيهم فنًّا منه، سمَّوْه بالموشح
Art-and-Literature
مهما يكن، فإن الأندلس ما دامت «قد ارتبطت بخصوصيات: مكانية، وسياسية واجتماعية، فإن الواقع يفرض عليها أن تبحث عن أدب يعبّر عن شخصيتها المميزة»
Art-and-Literature
هذا ما سمّاه ابن ثقفان - ومن قبله طه حسين وغيره - «الأدب الإقليمي»، ناسبًا إياه إلى الأندلس، وهو أدب لا بد من أن تترك عليه تلك البيئة بمختلف مكوناتها وخصوصياتها بصمتها الذاتية، إذ إن منطق الأشياء يقتضي تمايز الآداب بتمايز البيئات؛ «فقد كان شعراء العراق غير شعراء الجزيرة، وكان شعراء مصر غير شعراء العراق، وكان شعراء الأن...
Art-and-Literature
انسجامًا مع هذه الرؤية، بدأ الأدب الأندلسي منذ القرن الثالث الهجري يتلمس الطريق إلى أندلسيته، لأنه «بحكم ما له من بيئة متفردة، وظروف متميزة، من شأنه أن يختلف بعض الاختلاف عن أدب المشرق»
Art-and-Literature
هذه العلاقة بين البيئة والشاعر خصوصًا، والإنسان عمومًا، يجسدها - من باب القياس - قول ميشليه: «كيفما يكن العش يكن الطائر»
Art-and-Literature
الأغرب من ذلك أن تمايز الأدب الأندلسي طاول بيئته الأندلسية ذاتها، إذ تحولت هي الأخرى إلى خصوصيات محلية، وإقليميات ضيقة متمايزة، « فكان لبعض الأقاليم شعراؤها الذين اهتموا بوصف ديارهم، فـابن زيدون يتغنى بقرطبة وزهرائها، وابن سفر المريني يصف إشبيلية، وأبو الحسن علي بن نزار يتعلق بوادي آش»
Art-and-Literature
لا نرى النقد - في حقيقته - إلا مفاضلة بين النصوص تارة ومبدعيها تارة أخرى؛ فهو يشتغل على مراكمة هرم من الأحكام يقوم على سلّم تفاضلي، يتدرج بحسب الأذواق المتغيرة والمتبدلة مع تحولات الحساسية الإبداعية، وفقًا لطقس سيرورة الزمن الإبداعي في تحقيباته المتعددة وتلوناته المنداحة على صفحة التاريخ
Art-and-Literature
نظرًا إلى تجذر فكرة الطبقات في المجتمع الأندلسي، من حيث التراتبية الهرمية لفئاته المحافظ عليها غالبًا في التصور والممارسة، والتي اعتبرناها أحد تجليات ذهنية المفاضلة المتحكمة في النزعة الأندلسية، بحسب ما أشرنا إليه سابقًا، فلا غرابة أن تنعكس هذه الرؤية الطبقية على مؤلفاتهم وتنظيراتهم
Art-and-Literature
هكذا كان النقد الأندلسي مسكونًا بهاجس التصنيف الطبقي للإبداع ومبدعيه، تصنيفًا يتجه منحناه التصاعدي إلى قمة الإغراب، نزوعًا إلى مفارقة المألوف، لأن الإبداع - هو الآخر - ليس إلا عملية انزياح مستمر عن قاعدة العادي والمُجْتَرِّ
Art-and-Literature
في ضوء هذا المنحى، نلاحظ أن فكرة التصنيف الطبقي عند الأندلسيين تتجافى غالبًا عن المعيار الزمني الذي درجت عليه كثيرًا مقاربة الطبقات في الأدب المشرقي، وتتمحور على المعيار الإبداعي الذي أدخل في صلب النقد خصوصًا والمفاضلة عمومًا، حيث يستحضرون معيار الهرمية الإبداعية عندما يصفون طبقات الأدباء وطبقات أدبهم شعرًا ونثرًا بصفا...
Art-and-Literature
هذا التأرجح بين العُلُوِّ والنزول قد يعتري الأديب الواحد، من حيث تأرجح موهبته بين الشعر والنثر، وذلك مثل ابن حيان شيخ الأدباء والمؤرخين في الأندلس الذي يعلق عليه أبو الحزم ابن جهور (ت 435هـ/1044م) بقوله «سبحان من جعله إذا نثر في السماء، وإذا نظم تحت تخوم الماء»
Art-and-Literature
على كل حال، يحرص ابن سعيد في المُغْرْب على أن ينص في مختاراته لبعض الشعراء على ما يعتبره «عنوان طبقته»
Art-and-Literature
هذه البصمة الإبداعية الذاتية التي يسمّيها ابن سعيد «عنوان الطبقة»، ربما تكون هي التي جعلت عبد الواحد المراكشي (ت 647هـ/1249م) يكتشف - بزعمه - انتحال الأمير أبي الربيع الموحدي (ت 604هـ/1208م) أشعار كاتبه محمد بن عبد ربه التجيبي، حيث يقول: «عرفتُ ذلك بَعْدَ مُفارقته إيَّاهُ، لأنِّي فقدْتُ شعْرَ السيد أبي الربيع، واختلفَ ...
Art-and-Literature
لعل خير من يمثّل هذا التصنيف العام للأدباء هو ابن شهيد، وقد صَمَّمَ هرمية طبقاتهم على شكل مثلث، ينسجم مع معمار الهرم، إلا أنه جعل الطبقة الثانية قمته، والأولى والثالثة قاعدتيه، مقررًا مُسَلَّمَة التفاضل، باعتبارها أحد النواميس الكونية المهيمنة، خصوصًا في مجال الأدب، جاعلًا القدرات الإبداعية المعيار الجوهري في قانون الم...
Art-and-Literature
ثم يفصّل هذا التفاضل، واضعًا «أهل صناعة الكلام» في طبقاتهم الثلاث، معتبرًا أن من خرج عنها «لم يستحق اسم البيان، ولا يدخل في أهل صناعة الكلام»، وهذه الطبقات - بحسب مراتب المواهب - هي كما يلي:
Art-and-Literature
- «فمنهم من ينظم الأوصافَ ويَخْتَرِعُ المَعَانيَ، ويُحْرِزُ جيِّدَ اللفْظِ، إلا أنَّه يصْعُبُ عليه الكلام، ويُكِدُّ قريحَتَه في التأليف، حتى أنه ربما قصَّرَ في الوصف، وأساءَ الوضْع
Art-and-Literature
فهذا في الأبيات القليلة نافذٌ، وفي القريبة المأخذ سائرٌ، وفي طريقة الجمهور الأعظم ذاهبٌ، حتى إذا ازْدَحَمَتْ عليه، وانْحَشَدَتْ إليه، وطالبَتْه ببَهَاء البَهْجَةِ، وشرَفِ المَنْزِلة، وقفَ وانْفَلَّ، وتلاشَى واضْمَحَلَّ»
Art-and-Literature
- و«منهمْ الكارعُ في بحْر الغَزَارَة، القادحُ بشُعَاعِ البَراعَةِ، الذي يَمُرُّ مَرَّ السَّيْل في انْدفاعِه، والشُّؤْبُوب في انْصِبابِه، لا يَشْكُو الفَشَل، ولا يكِلُّ على طُولِ العَمَلِ، فإذا ازْدَحَمَتْ في الكلام عليه المَطالِبُ، وعَلِقَتْ بحَوَاشِي فِكْرِهِ المَآربُ، وحُشِرَتْ عليه الصعائبُ والغرائبُ، اسْتَقَلَّ به...
Art-and-Literature
- «ومِنْهمْ منْ يَتَجَافَى الكَلامَ، ويَرُوغُ عن المَقال، فإذا مُنِيَ بهِ، أخَذَ بأطْرافِ المَحَاسِنِ، وشارك في أنحاء الصنعة، وجُلُّ ما عنده تلفيق وحيلة، وبذلك يصاحب الأيام، ويجاري أبناء الزمان، ما كان له عقل يغطي على نقصانه، وسياسة يسوس بها فحول زمانه»
Art-and-Literature
اعتبر بعض الدارسين أن «هذا التقسيم من مبتكرات ابن شهيد، فلم يقم أي ناقد آخر بمثل هذا العمل، بصرف النظر عن مدى إصابته»
Art-and-Literature
إذا كان ابن شهيد يعتبر مناط المفاضلة بين الأدباء رهينًا بالقدرات الإبداعية في «صنعة الكلام»، أي موهبة البيان، فإنه يرى هذه الأخيرة منحة إلهية لَدُنيةً، لا يكتسبها المُؤَدِّبون، إذ ليس البيان «من شأنهم، إنما هو تعليم الله تعالى، حيث يقول ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان﴾
Art-and-Literature
على الرغم من أن ابن شهيد كان سبَّاقًا إلى طرح هذه الأفكار الطريفة، في العصور الأندلسية الأولى، فإن أدباء الأندلس المتأخرين – على غير المنتظر - كانوا أقل طرافة وعمقًا، وأقرب إلى المألوف والعادي، إذ نجد صاحب المعيار في نقد الأشعار، أبا عبد الله الإلبيري ( 780 هـ/1378م)، بعدما يحدد المادة المعرفية الضرورية لمتعاطي قرض الش...
Art-and-Literature
- «نوع لا يقوله، ولا يعرف نُقايته ونُفايته
Art-and-Literature
- نوع يحوكه ولا يعرفه، ينسج حُرًا بوافٍ، ومطرفًا بألاف
Art-and-Literature
- نوع يعرفه ولا يقرضه
Art-and-Literature
- نوع يعرف الشعر - علم الشعر - ويقرضه، فهذا هو الغاية والنهاية»
Art-and-Literature
إن هذه الرؤية تضع الطبقة الرابعة، الجامعة بين المعرفة والموهبة، في العلاقة بالشعر، نقدًا وقرضًا، في قمة هذا الهرم الطبقي للأدباء، مع أن هذه القمة لا تساوي إلا قاعدة التصنيف عند ابن شهيد ونظرائه من أدباء الأندلس، النزّاعين إلى الإغراب
Art-and-Literature
شارك اليهود الأندلسيون المستعربون، في هذا التصنيف الطبقي، واضعين أدباءهم ضمنه، فرتبهم موسى بن عزره المتوفى في منتصف القرن السادس الهجري/1155م، في كتابه المحاضرة والمذاكرة، متّبعًا تسلسل الطبقات زمنيًّا تارة، وتفاضلهم الإبداعي تارة أخرى، حيث يقول عن أبي أيوب سليمان بن جبرول: «فنزل عن هذه الطبقات سنًّا، وعلاهم قولًا، وإن...
Art-and-Literature
هو يعتبر أن من شعرائهم طبقة «فهِمَتْ غرَضَ الشعر، فأتته من بابه وطريقه، وتصرَّفتْ في جَزْله ورقيقه، فجاء في غاية الحسن والجمال، بل مُعْوِزُ الشبه والمثال، وإن كانوا على مذاهب متفرقة، ومراتب في الكلام غير متفقة، فقد قيل الناس كدرجات السلم، فيها العالي والسافل، وما بينهما، لكن جميعهم حيثما كانوا من البلدان في دائرة الإحس...
Art-and-Literature
يرى أيضًا أن «منهم طبقة وسيطة، رُزِقَت المَقول، وحُرمَت المعقول، ساقهم طول اللسان إلى غاية التقصير في البيان، هذت بالكلام المتكلف، واللفظ المستكره
Art-and-Literature
هنا يبدو تأثر مُتَعَرِّبي يهود الأندلس بالخلفية الأدبية العربية واضحًا للعيان، ومُصَرَّحًا به منهم في أكثر من موقع، ولا سيما في هذه الرؤية الطبقية للأدباء
Art-and-Literature
إن النزوع إلى التصنيف الطبقي، يخترق تعامل الأندلسيين مع جميع الظواهر الأدبية؛ فكما صنَّفوا الأدباءَ عمومًا، نجدهم كذلك يصنّفون الشعراء خصوصًا، حتى إن أبا الربيع سليمان الأندلسي المعروف بكثير (565 - 634/ 1170 - 1237م) «كان إذا ذكر الشعر يقول: شاعر أعم من شيء، يشير إلى أن الشعراء كثير، والمَرْضِيُّ منهم قليل»
Art-and-Literature
يدخل ضمن هذه الفكرة إنشاء ديوان للشعراء، تُقَيَّد فيه أسماء التابعين لكل بلاط وفق طبقاتهم الشعرية
Art-and-Literature
كان رئيس ديوان الشعراء في عهد ابن أبي عامر، عبد الله بن محمد بن مسلمة (ت 442هـ/1050م) «من أهل العلم والأدب، ناقدًا من نقاد الشعر، كان رئيسًا جليلاً، في أيام المنصور بن أبي عامر (366 - 392 هـ/ 977 - 1002م)، كاتبًا، وفي ديوانه كان زمام الشعراء في تلك الدولة، وعلى يديه كانت تخرج صِلاتهم ورسومهم، وعلى ترتيبه كانت تجري أمور...
Art-and-Literature
في زمن المعتضد بن عباد، أُسندت رئاسة ديوان الشعراء إلى الشاعر الأمي ابن جاخ البطليوسي، على الرغم ممّن ينضوي إلى هذا الديوان من فطاحل الشعراء
Art-and-Literature
إذا أردنا أن نرافق تجليات هذا النزوع إلى المفاضلة بين الشعراء، في نصوص تبتغي التصنيفَ الطبقي، ولو بشكل غير مُتبلور بما يكفي من الوضوح المنهجي، فلعل أهم بواكير هذا الاتجاه هي مسامرة عبد الرحمن بن فتوح (430 /1039م)، مع شاب قرطبي، خَصَّصَ فقرة منها للمفاضلة بين أشهر معاصريه من الشعراء القرطبيين بصورة خاصة، حيث يجيب عن سؤا...
Art-and-Literature
فقلتُ: خيْرُ ذِكْرٍ
Art-and-Literature
فقال: فمن أعذبُهم لفظًا، وأرجَحُهم وزنًا؟
Art-and-Literature
فقلت: الرقيق حاشية الظرف، الأنيق ديباجة اللطف، أبو حفص ابن برد
Art-and-Literature
قال: من أقواهم استعارات، وأصحهم تشبيهات؟
Art-and-Literature
فقلت: البحر العجاج، والسراج الوهاج، أبو عامر ابن شهيد
Art-and-Literature
قال: فمن أذكرهم للأشعار، وأنظمهم للأخبار؟
Art-and-Literature
قلت : الحلو الظريف، البارع اللطيف، أبو الوليد ابن زيدون
Art-and-Literature
قال : فمن أكلفهم بالبديع، وأشغفهم بالتقسيم والتتبيع؟
Art-and-Literature
قلت: الراتع في روضة الحسب، المستطيل في مرجة الأدب، أبو بكر بن يحيى الطبني»
Art-and-Literature
إذا كان ابن فتوح هنا لا يصرح باسم الطبقات في هذه الإلماعات، فإنه يرسم ملامح أربعة اتجاهات من الشعراء، تتعايش وتتمايز في قرطبة، وتتقاسم عذوبة اللفظ ورقة الحاشية والخبرة الشعرية والنزعة البديعية
Art-and-Literature
استمرارًا لتتبّع بوادر تصنيف الأدباء الأندلسيين لشعرائهم طبقيًّا، نقتطف بعض الشذرات الدالة في هذا المنحى، حيث يزكي الحميدي - مبدئيًّا كفاءة ابن حزم في نقد الشعر، ثم يروي قوله: «لو قلت: إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم أبعد
Art-and-Literature
إذا كان ابن حزم وابن شهيد - وهما من أعظم رواد النقد في الأندلس - قد اقتصرا هنا على أحكام عامة في تصنيفهما الطبقي لهؤلاء الشعراء، فهناك تصنيف طبقي آخر، بناه الأندلسيون على طول نفس الشاعر، أو قصره، متلبسًا حينًا بعلاقته بالمضمار الغرضي الذي يجري فيه، فـالسميسر: خلف بن فرج الإلبيري (ت 480هـ/1087م) مثلًا «له طبْعٌ حَسَنٌ، ...
Art-and-Literature
لعل هؤلاء القصيري النفس في الشعر هم من يُسَمَّى الواحد منهم «شاعر القطعة»، تمييزًا هنا بين الشويعر والشاعر الفحل، بحسب المصطلحات الطبقية المعروفة، وذلك ما ينضح به قول الأبيض: أبي بكر أحمد بن محمد (ت 544/ 1149م)، ردًّا على ابن سارة: عبد الله بن محمد البكري (ت 417هـ/1023م):
Art-and-Literature
أغْرَوْهُ أنْ قالوا: شُوّيْعِر قطعة
Art-and-Literature
لا شاعرٌ فحْلٌ ُيِمِرُّ وينْقُضُ
Art-and-Literature
يبدو الأبيض هنا مُحِقًّا، في توصيفه لابن سارة، لأن ابن بسام لم يذكر له إلا «عدة مقطوعات، تُرْبي على عدَدِ الحصى»
Art-and-Literature
بذلك وصَفَ ابن بسام مُعاصرَه أبا عبد الله محمد بن فرج الجياني، فهو «في هذه المُلَح من أهل البَدِيه، أمّا طويل القصيد، فقلما رأيته أفلح فيه»
Art-and-Literature
غير بعيد عن سياق المفاضلة بين الشعراء، تلمُّسًا للملامح الأولية للتصنيف الطبقي للشعراء في الأندلس، فإننا نشير عرضًا إلى (المقامة الثلاثين) من المقامات اللزومية للسرقسطي التي خصصها للشعراء، متناولًا فيها أكثر من أربعين شاعرًا، من العهد الجاهلي إلى العهد العباسي، مُعَلِّقًا على كل واحد منهم بأشهر ما عُرفَ عنه من خصائص شخ...
Art-and-Literature
تَطُلُّ هذه الممانعة في خوض المفاضلة بمفهومها الدقيق برأسها مرة أخرى في نهاية المقامة، حيث يُعرِّضُ محاوِرُ بطلها بكثرة المحسنين من مُجاوري مهيار الديلمي الذي توقفت عنده المقامة، فيقول البطل: «إنهم ليفوتون الإحصاء، ولا أحب الاستقصاء، والتفضيل مجال ضيق، وكلهم رائق ورَيِّق»
Art-and-Literature
الأهم من هذا كله أن السرقسطي تهرّب أيضًا من تناول الشعراء الأندلسيين الأكثر مساسًا بموضوعنا، أحرى أنْ يُفاضِلَ بينهم حيث أجاب بطل المقامة من سأله ذلك قائلًا: «يا سائب، خذ العفو، ولا تكدِّر الصفو»، وهو ما يوحي بأنه كان يستشعر حرَجًا في اختراق حجاب المعاصرة، على الرغم من أن ابن فتوح قبله اقتحم هذا الحجاب، وإن كان لم يتجا...
Art-and-Literature
في الواقع لا نكاد نتجاوز قليلًا حتى نجد أبا بكر الشنتريني ابن السراج المتوفى في عام 549هـ/1154م، بعد السرقسطي بأحد عشر عامًا، يقترب أكثر من التصنيف الطبقي للشعراء، بحسب ملامح مدارسهم الفنية، حيث يضع الشعراء في تصنيف ثلاثي الطبقات:
Art-and-Literature
« فمنهم من يُؤْثِرُ جزالةَ اللفظ من غير تَصَنُّع، على مذهب العرب (بشار)
Art-and-Literature
ومنهم من يؤثر التهويل والقعقعة بلا طائلِ مَعْنى (ابن هانئ)، وأشبه مواضيعه الوعيد والتهديد، من دون النسيب والتغزل، حيث يحْسن فيهما رقة الألفاظ وعذوبتها، ولا سيما في حكاية أقوال النساء
Art-and-Literature
ومنهم من آثر سهولة اللفظ، حتى وقع في اللين المفرط، كأبي العتاهية والعباس بن الأحنف ونظرائهما»
Art-and-Literature
يتضح من خلال استقراء هذا التصنيف أن رجحان كفة المفاضلة فيه إلى الطبقة الأولى التي هي طريقة العرب الدالة على القوة، حيث وَصَمَ الطبقتين الأخريين بعدم الطائل في الثانية، والإفراط في اللين بالنسبة إلى الثالثة
Art-and-Literature
هذا، إضافة إلى أن الشنتريني هنا فرَّعَ هذه الطبقات إلى الجزالة والتهويل والسهولة، ومَثَّلَ لكل منها، وخصّصَ له غرضًا يصلح له دون غيره، مراعيًا في ذلك مقتضيات السياق والمقام، وفي ذلك أيضًا تفاضل ضمني بين المقامات في علاقاتها بالمقالات، إذ «لكلِّ مَقامٍ مَقال»
Art-and-Literature
إذا كان ابن شهيد خير من نحت هرم طبقات الأدباء، على العموم، في الأندلس، فإن حازم القرطاجنِّي (ت 684/1285م) - هو الآخر - خير من نحت هرم طبقات الشعراء خصوصًا، وأقامه على قواعد نقدية أكثر صلابة، وبملامح فنية أكثر وضوحًا
Art-and-Literature
هذا مع ملاحظة احتفاظ فكرة الطبقات هنا، بتجاوز معيار الزمن، وارتكازها على مستويات أعمق في الأدبية والشعرية كما ألمحنا سابقًا؛ فقد ركز القرطاجني على ضرورة توفر المادة الشعرية والوسائل الفنية، والمواهب الإبداعية التي على قدر امتلاكها، تكون هرمية التفاضل بين الشعراء منطلقة من أرضية صلبة، وذلك ما يتحدد عنده في «القوى الفكري...
Art-and-Literature