text stringlengths 1 2.38k | en_topic stringclasses 10
values |
|---|---|
القوة على التشبيه؛ تصَوُّر كليات الشعر ومقاصده ومعانيه؛ تصَوُّر صورة للقصيدة؛ تخيُّل المعاني؛ وجوه التناسب بينها؛ التهدِّي إلى العبارات الحسنة؛ التحَيُّل في جعْل العبارات متزنة؛ الالتفات بلباقة من حيز إلى حيز؛ تحسين الوصل بين الفصول؛ القوة المائزة حُسْنَ الكلام من قبحه | Art-and-Literature |
في ضوء استبطان هذه المقومات الإبداعية، والتدرج في امتلاك نواصيها، يقسم حازم القرطاجني الشعراء إلى طبقتين كبيرتين: الشعراء الحقيقيون والشعراء بالدَّعْوى، وبينهما برزخ يمثّل المنزلة بين المنزلتين، لم يرتق إلى أولئك، ولم ينحط إلى هؤلاء، وذلك على النحو الآتي: | Art-and-Literature |
- الشعراء الحقيقيون: وهُم من استكملوا هذه القوى الشعرية، وقد وضعهم حازم في مدرج ثلاثي الطبقات، فقال: «والشعراء على الحقيقة طبقات ثلاث: | Art-and-Literature |
الطبقة الأولى: هم الذين يقومون على تصوُّر المقولات الشعرية ومقاصدها ومعانيها بالقوة، مثل حصولها بالفعل، فيأتي لهم بذلك تمكُّنُ القوافي، وحسن صدور القصائد، وجودة بناء بعضها إلى بعض | Art-and-Literature |
الطبقة الثانية: تتصور كثيرًا من ذلك، وإن لم تبلغ فيه مبلغ الطبقة الأولى، فيتَأتَّى لها بذلك كثير ممّا تأتَّى للأولى | Art-and-Literature |
الطبقة الثالثة: لا تَتَصَوَّرُ إلا القليل من ذلك، كأوائل القصائد وصدورها وما يكون من مقاصد الشعر محل عناية من أنفسها، فقد يتفق لهذه الطبقة أن تبني الكلام والقوافي بناء حسنًا» | Art-and-Literature |
- شعراء المنزلة بين المنزلتين: وهُم من لم يستكملوا تلك القوى، ولم يخلوا منها، وعنهم يقول حازم: «ويلحق بهؤلاء الشعراء ذوي الملكة التصَوُّرِية، والقوى الإيحائية، صنفٌ له أدْنى تَحَيُّل في المعاني، وبعض دربة في إيراد عباراتها متزنة، وإن لم يكن له من القوى الباقية إلا ما لا يُعْتَدُّ به، فنظْمُ هذا الصنف منحط عمن استكمل م... | Art-and-Literature |
- الشعراء بالدعوى: وهم في الدرك الأسفل من الشعر، في نظره، ومع ذلك فإنهم - حتى في انحطاطهم - مُتدَرِّجون على ثلاثة أصناف أيضًا، حيث يتحدث عنهم القرطاجني، وَاصِلًا ما سبق من كلامه: «ويُقابل الشعراءَ على الحقيقة، وينحط عن الصنف الملحق بهم، قومٌ لا ينسبون إلى هذه الصناعة بغير الدعوى: | Art-and-Literature |
هكذا تبدو ذهنية التفاضل مُتحَكِّمَة في تصور هذا الناقد لطبقات الشعراء في تدرجاتها وتفريعاتها الكبرى والصغرى، هذا مع اعترافه بصعوبة المفاضلة في ذاتها، إذ إن «الفصل والحكم بين الشعراء الذين أحاطوا بقوانين الصناعة لا يمكن تحقيقه إلا على وجه التقريب» | Art-and-Literature |
إذا كان الأندلسيون حرصوا على وضْع سُلَّمٍ تفاضُلي للأدباء عمومًا، وللشعراء خصوصًا، كما مَرَّ بنا، فإنهم جعلوا للأدب نفسه شعرًا ونثرًا، هرمًا طبقيًّا، يتدرج عبره، منطلقين من خلفيات متعددة، تدخل - عمومًا - في نطاق الرؤية الأندلسية القائمة على تقسيم الأشياء، ثم تركيبها | Art-and-Literature |
فهذا ابن حزم شريك ابن شهيد في ريادة بواكير النقد الأدبي في الأندلس، يعتبر أن البلاغة في النثر خصوصًا - قسمان كبيران، يتركبان في قسم ثالث، وما تحتهما سفسف خارج عن التصنيف، ثم ينضاف إلى الأقسام الثلاثة المَشْرِقية قسم آخر خاص بالأندلس، لا يَتَرَكَّبُ من المألوف وغير المألوف مثل سابقيه، وإنما يتركب من أسلوب الخطبة والرسال... | Art-and-Literature |
أمّا في الشعر، فإنه كسر ثنائية تصنيفه بين المطبوع والمصنوع، مُثَلِّثًا إياهما بالبارع الذي ربما كان عنده يمثل قمة هذا الهرم الثلاثي: «فالشعر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صناعة، وطبع، وبراعة» | Art-and-Literature |
إذا تقدمنا إلى الأمام خطوات نجد ابن خفاجة يكاد يصرح بأن تفاضل طبقات الشعر، حتى بالنسبة إلى الشاعر الواحد، أمرٌ مُسَلَّمٌ به، وكأنه داخل في النواميس الكونية القاهرة المهيمنة، فهو بعد أن راجعَ شعره في عهد المرابطين، «وتعَهَّدَه ثانيًا تعَهُّدَ مؤلف، وتفقَّدَه تفقُّدَ مُتأمِّل مُثَقَّف»، يحكم بأن «الشعر | Art-and-Literature |
غير بعيد عن ابن خفاجة نجد أبا بكر الشنتريني يتعامل مع هذا المُدَرَّج الثلاثي لمستويات الشعر بمقاربة أخلاقية، عبر رؤية لا تخلو من طرافة، حيث يقول: «اعلم أن الشعرَ، وإن كانت فضائله كثيرة، ومنافعه معروفة مشهورة، فإن غوائلَه مخوفة، ومناهِلَه بالشر مَحْفوفة، وذلك أن: | Art-and-Literature |
رديئه عورة فاضحة، إنْ لم يُسْترْ | Art-and-Literature |
ومتوسطه فضيلة واضحة، لا تنكرْ | Art-and-Literature |
والجيد منه لا ينال لا باستغراق الأوقات، وإهمال المهمات من أجله» | Art-and-Literature |
أما ابن خيرة المواعيني فقد نأى بجانبه عن قسمة الشعر بحسب الأغراض والأخلاق، مركزًا على تقسيمه بحسب طبيعة التعبير فيه، مثل: الشعر المتين الصلب؛ الشعر الحامض؛ الشعر الرطب السهل | Art-and-Literature |
هو يجعل هذا القسم الأخير أفضل الثلاثة، حين يصفه بـ «المُطمِع المُمْتنع» إلا أنه - عنده - قد ينزل عن حده إذا أفرط في السهولة حتى يصبح غثًّا كالزجل | Art-and-Literature |
من الطريف في هذا الصدد رؤية ابن لبَّال الشريشي (ت 582هـ/1186م)، لتفاوت مستويات اللغة والأسلوب والتصوير الشعري، حيث يجعل الجميل لا يستغني عن القبيح، والقوي لا يستغني عن الضعيف، إذ بضدها تتبين الأشياء؛ فهو يرى أن « الشاعر كالغوَّاص تارة يخرج ببدرة، وتارة بآجُرَّة، وتارة بسبجة، وأخرى ببعرة مُدَحْرِجَة، ولا بأس أن ينزل من ... | Art-and-Literature |
إذا كان ابن شهيد خير من صنَّفَ طبقات الأدباء، والقرطاجني خير من صَنَّفَ طبقات الشعراء، فهنا يمكن أن نعتبر ابن سعيد (ت 685هـ/1286م) هو أفضل من صَنَّفَ طبقات الكلام، جاعلًا محاولات من سبقوه مجرد إرهاصات، استفاد منها وتجاوزها، معتمدًا في رسم تصوره لمعيار سُلَّم التفاضل الطبقي للإبداع، على جودة النص في خصائصه الفنية، عبر ت... | Art-and-Literature |
فهو يُصَمِّمُ في مقدمة كتابه عنوان المرقصات والمطربات، مُدَرَّجًا خماسيًّا، لطبقات النص الأدبي التي ينتخب ضمنها مختاراته الشعرية والنثرية، مُعَرِّفًا بكل درجة من هذا السُّلَّم التفاضلي، مُتنازلًا في تسلسله من القمة، إلى القاعدة، حيث يقول: «الطبقات التي بُنِي الجامع المذكور على الكلام فيها خمس: | Art-and-Literature |
المرقص والمطرب والمقبول والمسموع والمتروك؛ فالمُرْقِص: ما كان مُخْتَرَعًا أو مُوَّلدًا يكاد يلحق بطبقة الاختراع لما يوجد فيه من السر الذي يُمَكِّنُ أزِمَّةَ القلوب من يديه، وذلك راجع إلى الذوق والحس، مُغْنٍ بالإشارة عن العبارة؛ والمُطْرِب: ما نقص فيه الغوْصُ عن درجة الاختراع، إلا أن فيه مسحة من الابتداع؛ والمقبول: ما ع... | Art-and-Literature |
داخل هذا الإطار الخماسي الطبقات في سُلَّم الإبداع، يحدد ابن سعيد دائرة اختياراته الأدبية، من إنتاج مبدعي المشرق والمغرب، عبر مختلف العصور والبيئات، جاعلًا أكبر هَمِّه طبقتي «المرقص والمطرب» تاركًا ظِهْرِيًّا ما دونهما من الطبقات، إلا إذا اقتضته ضرورة منهجية في أحيان نادرة، موضحًا على أي قاعدة فنية ترتكز الطبقتان المفضّ... | Art-and-Literature |
إذا أنتَ لم تشعرْ بشيءٍ تُثِيرُه | Art-and-Literature |
فقلْ: أنا وزّان وما أنا شاعِرُ | Art-and-Literature |
يلي من طبقتي المسموع والمقبول ما يكون توطئة للمرقص والمطرب، فأجعله من جملة العدد بشفاعة ما يتعلق به» | Art-and-Literature |
هكذا، يبقى المتروك من هذه الطبقات متروكًا، حتى لا يَتناقَض ابن سعيد مع مقتضى مصطلحه | Art-and-Literature |
إذا كان ابن سعيد في مختاراته هذه قد فتح نافذة ولو ضيقة على «قليل من النثر في فصول قصار»، إضافة إلى «ألف بيت من الشعر» حيث يقول: «وضمنته من النثر زهرات مقتطفة يسهل حفظها، ومن النظم بدائع أبيات لا يشق على القلب ذِكْرُها ولحْظُها»، فإن ابن الخطيب في عهد غروب الدولة الأندلسية، قد محض حديثه للشعر، واضعًا إياه في هرمية ثنائ... | Art-and-Literature |
من رحم هذه الثنائية: الشعر المطلق والشعر العادي، تولَدَتْ ثنائية تصنيفية أخرى، تتمثّل في: السحر والشعر، حيث يكاد الأول يكون مطابقًا للشعر المطلق، والثاني مطابقًا للشعر العربي العادي، إلا أن هذه الثنائية بسحرها وشعرها لا تخرج عن إطار الشعر العربي، ولعل شبح ذلك التناقض الموهوم يرتفع إذا اعتبرنا أن في الشعر العربي - بحد ذ... | Art-and-Literature |
فالسحر - عند ابن الخطيب – هو الشعر الذي يمتلك فَاعلية تأثير قوية في نفس المتلقي، أكثر من الشعر العادي، فإذا سُمِعَ «عَظُمَ الأثَر، وظهَرَت العِبَر، فشجَّع وأقْدَم، وسَهَّرَ ونوَّم، وحبَّبَ السخاءَ إلى النفوس وشهَّى، وأضْحَكَ حتى ألهَى، وأحْزَنَ وأبْكَى، وكثير من ذلك يُحْكَى، وهذه قوة سِحْرية، ومعان بالإضافة إلى السحر ح... | Art-and-Literature |
فمن الواجب أن يُسَمَّى الصنفُ من الشِّعْر الذي يَجْلبُ النفوسَ ويسْتفزُّها، ويثني الأعطافَ ويَهُزُّها - بالسحر، الذي ظهرتْ عليه آثار طِباعِه، وبيَّن أنه نوعٌ من أنواعه» | Art-and-Literature |
أمّا الشعر، «ما قَصَّرَ عن هذه الغايةِ القاصِية، والمَزِيَّةِ المُتَأبِّيَة على المَدارك المُتَعاصيَة، سُمِّيَ شعرًا، تختلف ألوانُه وأحْوالُه عند الاعْتبار، ويَتَمَيَّزُ شَبَهُهُ من النُّضار» | Art-and-Literature |
إذا كان ابن الخطيب قد ترك مفهوم السحر - داخل الشعر - محلقًا بعيدًا عن التحديد، إلا بقدرته التأثيرية الخارقة في إحساس المتلقي، فإنه - في مقابل ذلك - حاولَ أنْ يُصَنِّفَ الشعر، غير الواصل إلى أفق السحر، عبر أربع طبقات، تعتمد - في تصنيفها المتصاعد هرميًّا - على ذوق المتلقي رفضًا وقبولًا، حيث ينفي ثلاثًا منها، من دائرة الت... | Art-and-Literature |
- ما يُلفَظُ، عند ما يُلفَظُ، فلا يُرْوَى ولا يُحْفَظُ | Art-and-Literature |
- ما يُعْبَثُ به ويُسْخَرُ، فلا يُقْتَنَى ولا يُدّخَر | Art-and-Literature |
- ما يُسْتَسْخَفُ ويُسْتَثْقَلُ، فلا يُرْوَى ولا يُنْقَلُ | Art-and-Literature |
- ما اشتمل على لفظ فصيح، ووصف صحيح، وقافية وثيقة، وإشارة من العبارة أنيقة، واشتمل على الحِكَم والأمْثال، ومُعْظم الشعر على هذا المثال | Art-and-Literature |
بعد إرساء مفهوم السحر والشعر في هذه المقدمة، واعتماده عنوانًا للكتاب ومعيارًا للنماذج المختارة داخله، أكانت من هذا النمط أم ذاك، فإن ابن الخطيب، بعد انطلاقه في تعاليقه المبثوثة في الجزء الأول، واصِفًا أمثلة بالسحر وأخرى بالشعر، قد اكتشف أن التفريق صعْب على مستوى التصوُّر والتصْنيف، فتَدَارَكَ في الجزء الثاني من الكتاب ... | Art-and-Literature |
مهما يكن من انبهام طرائق المُمايَزَة والمُفاضلة بين نَمَطَيْ السحر والشعر، في وجه ابن الخطيب (ت 776/1374م)، لدرجة لم يبق أمامه إلا الرَّجْم بالغيب، تنجيمًا وقِيافة، فإن هذه المقاربات تبقى كلها محاولات لضبط تراتبية نسبة الإبداع في الآثار الأدبية، وهي تعود - في النهاية - إلى رُؤْيةٍ أنْدلسيةٍ مُشترَكةٍ مُتطوِّرَةٍ عبر ال... | Art-and-Literature |
كانت مصطلحات ابن الخطيب في تصنيفاته التذوقية للطبقات الأربع للشعر الذي ليس سحرًا، «تنْدَسُّ ضمنها لغة ابن خفاجة، حيث يتحدث عن مراجعته لديوانه قائلًا فمنه ما تعهدته فقيدته، ومنه ما لحظته فلفظته | Art-and-Literature |
كما تندس فيها لغة ابن سعيد في المقبول والمسموع والمتروك، إضافة إلى تقسيمات حازم القرطاجني آنفة الذكر لطبقات الشعراء، ولكن هذا كله ما هو إلا جنوح إلى الإغراب في التصنيف رافق المزاج الأندلسي عبر العصور | Art-and-Literature |
إن خلاصة الذوق الأندلسي، في الأدب خصوصًا وفي الحياة عمومًا، هي نزعة الإغراب هذه | Art-and-Literature |
لذلك سمّى ابن سعيد ما تمَتَّعَ بالجدة من حيث الابتكار أو التوليد باسم المُرْقِص وسمّى ما دونه ممّا عليه أثارة من الابتداع، لا تبلغ بالمتذوق حد الرقص، وإنما تثير في النفس هزة ارتياح، ونشوة طرب، باسم المُطْرِب» | Art-and-Literature |
إذا كنا نوافق إحسان عباس في رؤيته للغرابة، وعلاقتها بتطور الذوق الأندلسي الحضري، فإننا نتحفَّظ على ربْطه لهذه الصورة من الذوق بالثلاثي النقدي: الشقندي (ت629هـ/1232م)؛ ابن دحية؛ ابن سعيد، لأن أبا الوليد الحميري - قبل هؤلاء جميعًا بحوالى قرنين من الزمن - وضع لبنات ما أسَمِّيهِ «عمود الغرابة» عند الأندلسيين، في مقابل «عمو... | Art-and-Literature |
أمّا أشعار أهل المشرق، فقد كَثُر الوقوف عليها، والنظر إليها، حتى ما تميل إليها النفوس، ولا يروقها منها العِلْق النفيس، مع أنني أسْتغني عنها ولا أحْوَجُ إليها، بما أذْكُرُه للأندلسيين من النثر المُبْتَدَع، والنظم المُخْتَرَع، وأكثرُ ذلك لأهْلِ عصْري» | Art-and-Literature |
إرجاع ريادة الغرابة – هنا – إلى الحميري مفيد جدًا، لأنه إحقاق للحق، إضافة إلى أنه يؤرِّخ لمرافقة نزعة الإغراب هذه، لنشأة الأدب الأندلسي، منذ عصوره الأولى، بدَلَ التركيز على عصور النضج المتأخرة، فالحميري يتحدث عن عصره، وهو مُتَوَفَّى في عام 440هـ /1048م | Art-and-Literature |
ثورة الحميري المدعمة بمعجم نقدي غرائبي مُسْتَقى من مدونة كتابه، لم تولد دفعة واحدة من فراغ، وإنما كانت وليدة تراكم، رافقَ سلفه من الأندلسيين الذين وُلِدَ معهم التوق للتمَيُّز عن المشرق وعن غيره، انسجامًا مع مُعْطيات حضارية متعدِّدَة الأبعاد، أفرَزَتْ ما سُمِّيَ «الشخصية الأندلسية» | Art-and-Literature |
يبدو أن بوادر النزوع إلى الإغراب لدى الأندلسيين ظهرتْ في عهود مُبَكِّرَة، لتصبح بعد ذلك أهمَّ مَنْزع يترَبَّعُ على قمة هَرَمِ الذوق النقدي عندهم إبداعًا وتلقيًا، فهذا هشام بن عبد العزيز (ت 273هـ/887م)، وزير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الأموي، يُوَقِّعُ على ظهر رِقْعَة شِعْرية بعثها إليه أحد أبنائه: | Art-and-Literature |
لا تقلْ إنْ عزمتَ إلا قريضًا | Art-and-Literature |
رائقًا لفْظُه دقيقًا رصينا | Art-and-Literature |
أوْ دَعِ الشِّعْر فهو خيْرٌ من الغـ | Art-and-Literature |
ث إذا لمْ تَجِدْ مَقالًا سَمينا | Art-and-Literature |
إذا كان ابن عبد ربه (ت 327/940م) قد قُوبِلَ «عِقده الفريد» في المشرق بمقولة: «هذه بضاعتنا رُدّت إلينا»، فإن المؤلف نفسه كان يرى أنه أغرب في معارضاته ونماذجه الشعرية المرفوقة ببضاعته القديمة الآنف ذكرها، حيث يقول في مقدمته: «وقرنتُ بها غرائبَ من شِعْري، ليعلمَ الناظرُ في كتابنا هذا، أنَّ لِمَغْربنا - على قاصيته، وبلدنا ... | Art-and-Literature |
كما أن عمود الغرابة الذي دشنه الحميري، وأدباء مدونته الشعرية والنثرية، هو عمود غرابة للأدب، إنْ لمْ أقلْ للحضارة والحياة عامة، خلافًا لعمود المرزوقي الخاص بالشعر، وخلافًا أيضًا لغرابة الثالوث النقدي الأندلسي: ابن دحية - الشقندي - ابن سعيد، المخصصة - في الأغلب - للشعر هي الأخرى، والمتأخرة - على كل حال - عن الرائد الحقيق... | Art-and-Literature |
مهما يكن، فإن قراءتي لـ بديع الحميري - في بحث سابق - سعتْ إلى نحْت أول محاولة لبلورة عمود الغرابة في الأدب الأندلسي، كما مكّنتني بالفعل من استخلاص معجم نقدي غرائبي من مدونة كتاب الحميري، ومن تعليقاته على هذه المدونة، فوجدت مفاهيم غرابة الإبداع هذه عنده تنْصَبُّ على النص المُبْتَدَع نفسه شكلًا ومضمونًا، متدرجة في سلم ال... | Art-and-Literature |
هذا الثالوث الأخير المركزي في هرمية عمود الغرابة، وفي عنوان الكتاب نفسه، لا يمكن التفريق بين مكوناته الثلاثة، لأنها متداخلة في تعليقات الحميري بمختلف تنويعاتها واشتقاقاتها، فهو يقول «فأحسن وأغرب | Art-and-Literature |
عَزَّزَ هذا الثالوث الغرائبي بتاج فوق قمته، هو السحر، حيث لا تجد الأمم ما تصف به قوة تأثير الإبداع أكثر من «السحر» الفعال، المبهم | Art-and-Literature |
هكذا نجد شبكة مفاهيم عمود الغرابة التي استخدمها الحميري، تغزو لغة التداول النقدي لدى الأندلسيين، فتتناسَلُ في عناوين كتبهم، فيما بعد، مثل «المُعْجِب« و«المُغْرِب» و«المُطْرِب» و«المُرْقِص» و«السِّحْر» | Art-and-Literature |
من الخلاصات التي توصلتُ إليها أن مفاهيم عمود الغرابة التي استخدمها الحميري، وسابقوه ولاحقوه، تجتمع في خيط ناظم، هو الإغراب الذي ينبني على أسس: | Art-and-Literature |
- مفارقة المألوف إبداعًا | Art-and-Literature |
- الإحكام والإتقان والتجميل صناعة | Art-and-Literature |
- الانفعال بالإعجاب والاستغراب تلقيًا | Art-and-Literature |
وبهذا يكون عمود الإغراب قائمًا على نقيض عمود الألفة، بحيث نلاحظ انتقالًا من: | Art-and-Literature |
- الوضوح في العلاقات اللغوية إلى الغموض | Art-and-Literature |
- ومن التشبيه القريب إلى التشبيه الغريب | Art-and-Literature |
- ومن إصابة المعنى إلى دقته ولطفه وطرافته | Art-and-Literature |
- ومن المرجعية البدوية إلى المرجعية الحضارية | Art-and-Literature |
«جملة القول أننا إذا أردنا حكمًا موجزًا، في كلمة تجمع الخصائص الفنية للأفكار الأندلسية، فلا نجد لها غير كلمة الطرافة» | Art-and-Literature |
كانت هذه الطرافة وذلك الإغراب المعيارين اللذين تُنْتَخَبُ على أساسهما مختارات الأندلسيين، فابن بسام - مثلًا - يسوِّغ عنايته بالتأليف في أدب قومه قائلًا: «وما زال بأفقنا هذا الأندلسي القصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنَّيْن وأئمة النوْعَيْن قومٌ | Art-and-Literature |
ما دام الذوق الأندلسي لا يقبل من المؤلفات ما لا يدخل في دائرة الإغراب هذه، فقد كان على المؤلفين أن يقدموا بين يدي كتبهم اعتذارًا مسبقًا، يلتمسون فيه العَفْوَ من قارئهم، إن كانوا قَصَّرُوا عن الوصول إلى القمة المُرْتَجَاة، مع ضرورة دَعْوَى الاقتراب – على الأقل - من حرمها | Art-and-Literature |
يسوق أبو إسحاق إبراهيم البونسي الشريشي الفهري في مقدمة كنز الكتاب كلامًا شبيهًا بهذا الاعتذار، محددًا معيار اختياراته في هذا المُؤَلَّف: «وانتقيتُ من توليده المُخْتَرَع، ونادره المُسْتَبْدَع لُمَحًا تخالُ بَدْرَ التمِّ في لبَّاتِها | Art-and-Literature |
على ذلك المَنزع الغرائبي، في المختارات الأدبية الأندلسية دَرَجَ أبوالوليد الشقندي ، في القطع الشعرية الأندلسية التي تبجَّحَ بها على العُدْوَة المغربية، معتبرًا أن فَرَادَتَها في التصوير هي سر اختيارها، في سياق الفخر، ودَعْوَى التَّمَيُّز، حتى أنه ألْمَح إلى أن هذا النزوع إلى الإغراب في التصوير الفني هو سِرُّ الابتكار ع... | Art-and-Literature |
هذا الإغْراب في تَطَلُّبِ الصورة المُبْتكرة، ينعكس في تعدُّد
مؤلفاتهم - المشار إليها سابقًا - حول التشبيهات، كما يجسده - إبداعيًا - أبو بحر التجيبي حين ينقل لنا جلسة مباراة في التشبيه، تتناول البرق، توطئة لمخاطبه ابن حريق: | Art-and-Literature |
قَعَدْتُ له في فتْيَةٍ أدَبِيةٍ | Art-and-Literature |
يُقيمونَ للآدابِ أغْرَبَ سُوقِ | Art-and-Literature |
من القوم جالتْ في المعاني شِفاههمْ | Art-and-Literature |
مَجَالَ أكُفٍّ في كؤوس رحيقِ | Art-and-Literature |
يقولون لي: شَبِّهْ، فقلتُ: كأنَّما | Art-and-Literature |
يَجُرُّ على الكافور ليْلَ عقيقِ | Art-and-Literature |
فأوْمَوْا:بأنْ زِدْنَا، فقلتُ: كأنَّما | Art-and-Literature |
أفَاضَ على البلّورِ رَدْعَ خَلُوقِ | Art-and-Literature |
ولوْ حَسُنَ التكْرار، قلتُ: كأنَّه | Art-and-Literature |
وراءَ ضُلوع الغيْم قلبُ مُشُوقِ | Art-and-Literature |
فقالوا: أرَدْنَا سُـرْعَةً وتَوَقُّدًا | Art-and-Literature |
فقلتُ: ذَكَرْتُمْ خَاطِرَ ابْنِ حَريقِ | Art-and-Literature |
وإنَّ سَنَى بَرْقٍ يكونُ شَبِيهَهُ | Art-and-Literature |
لَيَزْدَادُ بالتَّشْبيهِ حُسْنَ بَريقِ | Art-and-Literature |
لمْ يقف بهم الإغراب عند هذا الحَدِّ، بل إن أنَفَتَهم من كلِّ مَألوف وتفتيشهم عن كُلِّ مُبْتَكَرٍ طريف جعلاهم يبدعون فنونًا لم تكن موجودة قبلهم، حيث ذكر الحجاري أن أبا بكر ابن قزمان الأصغر «كان في أول شبابه مشتغلًا بالنظم المُعْرَب، فرأى نفسَه يُقصِّرُ عن أفراد عصره، كابن خفاجة وغيره، فعَمَدَ إلى طريقة لا يُمازجُه فيها ... | Art-and-Literature |
هنا، لا غرو إذا كانت مختاراتهم المَزْفُوفَة إلى بلاطات المشرق، وخزائنه العلمية، تعتمِد - هي الأخرى - مِعْيار الإغراب الإبداعي في انتخابها، فابن دحية يقدم «مطربه» بأنه جمع فيه من أناشيد شعراء الأندلس وسائر المغرب «ما يُؤْكلُ بالضمير ويُشْرَب، ويُهْتَزُّ عند سماعه ويُطْرَب | Art-and-Literature |
كذلك يوحي إلينا ابن سعيد بأن منزع اختياره في «الغصون اليانعة» هو الإغراب والإبداع والغوص الفكري، حين يقول عن شميم الحِلِّي العراقي (ت 601/ 1204م)، فاتحة مترجميه: «جُمْلةُ أمْر هذا الرجل أنَّ ذِكْرَه فوق شِعْره، فعلى كَثْرَتِه لم أقِفْ له على شِعْر، فيه إغْرابٌ ولا إبداع، ومن جملة ذلك كتاب «الحماسة» التي جمعها من شعره، ... | Art-and-Literature |
توزعت مختاراته - في مجملها - عبر كتبه، بين ما هو داخل في المطرب والمرقص والهزاز وكنوز الأدب وروح الأدب، إلى آخر تصنيفات معجمه الغرائبي الثري | Art-and-Literature |
على هذا المهْيَع اللاَّحِب ظل الذوق الأدبي في الأندلس يواصل مَسارَه عبر التاريخ، حيث تبنّى حازم القرطاجنِّي، أكبرُ ناقد أنجبته الأندلس، هذا الإغْرابَ، معيارًا لأحسن الشعر، بالإضافة إلى حُسْن التخْييل والمُحَاكاة والبناء والصدق ومثال ذلك قوله: «فأحسنُ الشعْر ما حَسُنَتْ مُحاكاتُه وهيْأتُه، وقَوِيَتْ شهْوتُه أو صدقه، أو ... | Art-and-Literature |
بل إن نزعة الإغراب هذه ظلتْ سِمَةَ الأدب الأندلسي حتى آخر عهوده، حيث اختزل ابن الخطيب ما يختاره من الشعر إلى نوعي: «السحر والشعر»، بحسب كتابه الموسوم بهذا العنوان، وكان يفرق في مدونته بين ما هو شعر، وما هو سحر في نظره | Art-and-Literature |
الغريب في هذا «الإغراب الأندلسي» أنه ظل ساري المفعول حتى في شعراء إسبانيا المحدثين، إذ يقول غرسيه غومس في مقدمة كتابه قصائد من الأندلس، معللًا التجاوب الحماسي الذي لاقاه الكِتاب في صفوف الشعراء الإسبان «بأن شعراء الثلاثينيات الإسبان كان همّهم الأكبر ابتكار صورة شعرية، تبْهرُ النظرَ بغرائبها، فكان اطِّلاعهم على ما يقدمه... | Art-and-Literature |
هذا مع العلم أن التشبيهات في الشعر الأندلسي استحقت من ابن الكتاني كما قدَّمْنا كتابًا مستقلًا بشأنها، نظرًا إلى خصوصيتها الغرائبية المنبثقة من غرابة المكان وما بَصَمَ به الإنسانَ وعطاءَه الحضاريَ والفنيَ والأدبيَ، بحسب ما يعبّر عنه هذا الكتاب، وقبله الحميري في كتابه البديع في وصف الربيع وغيرهما، ولعل خير ما يوضح هذا ال... | Art-and-Literature |
فراجعه ابن سفيان: «كتبته - أدام الله عزك - عن ود، كماء الورد نفحة، وعهد كصفائه صفحة، ولا أقول أصفى من ماء الغمام، فقد يكون معه الشَّرَق، ولا أضوء من قمر التمام، فقد يدركه النقص ويُمْحَق» | Art-and-Literature |
هنا نرسي زورق الإغراب الجانح في خضم الإبداع الأندلسي، قائلين مع فوزي عيسى إننا «من الوجهة الفنية قد تبَيَّنَ لنا أن الشعر الأندلسي قد خضع لبعض المقاييس الذوقية التي انتشرت في البيئات | Art-and-Literature |
كان الاهتمام بالبديع وتطلب الصورة الجديدة، وتوليد المعاني المبتكرة من أهم مقاييس الذوق في تلك البيئات، وقد انعكست هذه المقاييس على الشعر انعكاسًا واضحًا» | Art-and-Literature |
إلا أننا لا نعتبر هذه النزعة الإغرابية قاصرة على الشعر، بقدر ما هي شاملة في الإبداع الأندلسي كله، بل وحتى في جميع مجالات الحضارة، باعتبارها رؤية حياتية أكثر منها مجرد فلسفة فنية؛ فإذا كان ابن فتوح (ق 5هـ) قد رفع كتابًا إلى المأمون بن ذي النون بعنوان «الإغراب في رقائق الآداب»، فإن أبا إسحاق الأنصاري إبراهيم بن محمد الجز... | Art-and-Literature |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.