text stringlengths 1 2.38k | en_topic stringclasses 10
values |
|---|---|
إذا كان الفصل الرابع قد تمحَّض للنقد الأندلسي من زاوية اشتغاله بالعمل على نحْت هرَم طبقي للإبداع، على اعتبار أن فكرة الطبقية هناك متجذِّرة في صميم روح المفاضلة المتحكمة في الذهنية الأندلسية، فإن هذا الفصل يقارب مَشْغَلًا آخر لذلك النقد، يتمثّل في ترَصُّد النصوص الأندلسية المُنْتَجَة في مَعْمَعَانِ المحاكَمَات بين الأنو... | Art-and-Literature |
الشعر والنثر «يمثلان الثنائية الأمَّ لأصل الكلام، التي انبثقت منها مختلف الأجناس الأدبية، وعلى الرغم من الضدية التي طبعت هذه الثنائية منذ النشأة، فقد عاشا توأميْن، مهما كان الخلاف حول إشكالية أيهما السابق أو اللاحق على الآخر في الوجود» | Art-and-Literature |
أصبحت هذه القضية مَثارًا للنقاش، بعد تأسُّس دواوين الدولة، وتَجَذُّر تراكمات تقاليدها الحضارية، تبَعًا لنبْض السياق التاريخي؛ ففي عهود الثقافة البدوية كان الشعر «ديوان العرب» بلا منازع، حيث كان «علم قوم لم يكن لهم علم أفضل منه»، نظرًا إلى طغيان النزعة الشفهية على تلك الثقافة، وسيطرة الفطرة البسيطة الأحادية، وهيمنة نمط ... | Art-and-Literature |
كان لهذه القضية وضع خاص - بحسب استقرائي - في البيئة الأندلسية، حيث جاءها الشعر والنثر ناضجين دفعة واحدة، مع فاتحِيها والوافدين عليها، ولم يعرفا نشأة طفولية، كتلك التي عرفاها في المشرق العربي منذ قديم الزمان | Art-and-Literature |
هذا إضافة إلى أن المسَلَّمة المتوَاطأ عليها في المشرق من طرف الجاحظ والصابئ وغيرهما، والتي لخصها ابن خلدون «في أنه لا تتفق الإجادة في فني المنظوم والمنثور معًا إلا للأقل» | Art-and-Literature |
يبدو تعادل كفتي الشعر والنثر المتجذر في تكوين أدباء الأندلس جليًّا، من خلال التحليات في كتب المختارات والتراجم، حيث يتواطأ مؤلفوها على الجمع بينهما لأغلب من يحلونه في كتبهم | Art-and-Literature |
لعل ابن شهيد من أوائل من عبّروا عن ازدواجيتهم في الشعر والنثر، وتفوّقه فيهما معًا، حتى على سابقيه من أساطينهما في المشرق، متخذًا لذلك مُتَّكَأً طريفًا يتمثل في رحلة خيالية سمّاها «التوابع والزوابع»، اجتمع خلالها بشعراء المشرق ونُثَّاره، وبارزهم في الميدانين، حتى أذعنوا للاعتراف به متفوقًا أو مُجَازًا على الأقل، إلا أنه... | Art-and-Literature |
يُعتبر أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي (كان كاتبًا في مراكش) أحَدَ من خَصَّصُوا وقفة مهمة للمفاضلة بين النظم والنثر، في كتابه ثمرة الأدب بحسب مقتبساته منه في مؤلَّفه إحكام صنعة الكلام، حاكمًا للنثر في أكثر من موضع بالترجيح على الشعر | Art-and-Literature |
مع ذلك، فإنه وَعَدَ بأنْ يأتي بـ «طرَفٍ مُسْتَطْرَف مُسْتَغْرَب» مُبْدِيًا رأيه الخاص قائلًا: «ورأيي أن القريضَ قد تَزَيَّنَ من الوزن والقافية، بحُلّة سابغة ضافية، صار بها أبْدَعَ مطالعَ وأبهرَ مياسمَ، وأنورَ مباسمَ، وأبردَ أُصُلًا، وأشردَ مَثَلًا، وأهزَّ لعطْف الكريم، وأفَلَّ لغرْب اللئيم» | Art-and-Literature |
إذا كانت هذه هي الأفْعَلاتُ التفضيلية التي منحها للشعر، ثم سلبه بعدها كل فضيلة، فإنها – لعمري - أهم في ميزان المحاكمة، من كل ما منحه للنثر، وممّا أخذه على الشعر، لأن تلك « الأفْعَلاتِ» التفضيلية - أبدع، أنصع، أبهر، أنور، أبرد، أشرد، أهز، أفلَّ - تمثّل خصائص فنية ذاتية في الشعر ترتبط بإيقاعه وبنائه، ومن ثم بفعاليته وقوة... | Art-and-Literature |
أمّا المعايب التي أسندها إلى الشعر، نافيًا إياها عن النثر، فهي مواقف أخلاقية، بعيدة عن صميم الترجيح الفني النقدي الخالص، مثل كون كراهية رواية الشعر خاصة به دون النثر «كتابة وخطابة»، ومثل اتهامه - ظلمًا - بأنه داع لسوء الأدب، وحامل على الغلو، تم يواصل هجومه عليه، واصفًا إياه بالكذب والنكد والتكسب | Art-and-Literature |
فهذه كلها تعليلات واهية، لا تصلح مُتَّكأ لحكمه النهائي، بأن هذا كله دليل على فضل الكتابة على الشعر | Art-and-Literature |
إذا كان إحسان عباس يعتبر أن السرقسطي «عندما عقد مفاضلة بين الشعر والنثر في مقامته | Art-and-Literature |
لكني أعتبر مقامة السرقسطي أهم نص في مدونة هذا المبحث، لأنه خصص مقامة كاملة لهذه الإشكالية، وأعطى للمناظرة بين الشعر والنثر مفهومها الحقيقي، مقارنًا بينهما في مناح عدة، متخذًا لذلك بناء دراميًّا ملائمًا لمقاربة الموضوع بصفة أكثر شمولية، جاعلًا عدة أصوات تتحاور داخل النص، ليضطلع كل بطل من أبطالها الأربعة بدور مميز، يعالج... | Art-and-Literature |
«هذا النظم والنثر، كيف القلُّ فيهما والكثرُ؟ وأيهما أعقب لصاحبه أثَرًا، وأحرز دونه أثرًا؟ وأيهما في النفوس أوقع، وأشفى لغلة الصادي وأنقع؟ وأحظى عند السوقة والملوك، وأمضى في السفارة والألوك؟» | Art-and-Literature |
بعد تحديد مدارات الإشكالية وفجاج المقاربة، بشكل منهجي دقيق، يتبارى وَلَدَا بطل مقامات السرقسطي، كل ينحاز إلى أحد الفنين، ويترافع باسمه، مُضْفِيًا عليه ما يرتضيه من مواصفات إيجابية، نافيًا إياها عن الطرف الثاني، ومُسْبِغًا عليه ما يشاء من نقائضها، وهكذا دواليك | Art-and-Literature |
اعتبر «حبيب» أن «الشعر أصعب مُرْتَقى، وأغرب مُنْتقى، وأبرع لفظًا، وأسرع حِفظًا، وأوسع مَجازًا، وأنصع إيجازًا | Art-and-Literature |
إذا ارتقى فيه الذي لا يَعْلمُهْ | Art-and-Literature |
زلَّتْ به إلى الحَضيض قدَمُهْ | Art-and-Literature |
أمّا النثر، فهو في نظره يستمد قيمته من وظيفته في تدبير شؤون الحياة إداريًّا، مثل «عِنانٍ يُرْسَل وزمام يُمْلك وطريق يُسْلك | Art-and-Literature |
من هنا تبدأ مرافعة صوت النثر، على لسان الابن الثاني«غريب» معتبرًا إياه: «أيسر مطلبًا، وأدَرَّ حَلبًا، وأطوع عنانًا، وأبعد سنانًا، به تُمْلك المَمَالك، وتُسْلَكُ المَسالكُ، وتُخْدَمُ الرئاسة، وتُقامُ السياسية، وتُصانُ الأحوال، وتُحفظُ الأموال، وبه تُعَبَّرُ العُلوم، | Art-and-Literature |
الطريف هنا - على الرغم من تركيزه على المتداول من وظائف النثر - أنه اقتنص جوانب دقيقة، مثل اعتباره الوسيلة الأنجع في الجدل والتفسير والتدريس | Art-and-Literature |
أمّا حديثه عن الطرف الثاني للمناظرة، فقد صرفه عن الشعر ذاته إلى المفاضلة بين الشاعر والكاتب، معتبرًا أن الأول طفيلي على موائد السلاطين «لا يُهابُ إلا للهجاء، ولا يحظى إلا بالرجاء، تُسَدُّ دونه الأبْواب، وتُطْوَى عند لقائه الأثواب، و يُسْتعاذُ بالله من إلحافه، ويُسْتَرابُ من إتحافه» | Art-and-Literature |
أمّا الكاتب فيكسى وَجَاهَهْ، ويرى الملك تجاههْ، يسارُّ الملك ويناجيه | Art-and-Literature |
هكذا، بعد احتدام المناظرة بين الفنين، عبر «حبيب» و«غريب» صَوْتَيْهما، يتدَخَّلُ الحكم الشيخ أبو حبيب، والدهما، بطل المقامات | Art-and-Literature |
هنا يجدر التنبيه إلى أن هذا الخطاب التوفيقي، النَّابذ للتفرقة، يتعَدَّى الابنين إلى الفنين؛ إذ إن اختيار السرقسطي ابني بطل مقاماته، ممثلين للشعر والنثر، يوحي - رمزيًّا - بأخوة الفنين، قياسًا على الشقيقين الناطقين باسميهما، ويوحي بأبوة البطل الأب للفنين معًا، كما هي حاله مع فلذتي كبده، فلا مجال للتفرقة، وكلاهما إمّا «حب... | Art-and-Literature |
ثم يعلن أهليته للحُكْم فيما شَجَرَ بينهما، حيث يقول: «وفي هذا قول فصْل، يقف عنده فرع وأصْل، ويقوم دونه من البرهان سِنِانُ طرِيرٌ ونَصْل»، مبررًا ذلك بما له من علم ومِرِاس، «فاعتبرا مَقولي، ولتَثِقَا بمَعْقولي، ولتسْكنا إلى مَنْقولي، فإني شافهتُ الرجال، وأطَلْتُ النِّضالَ والسِّجَال، وكَلِفْتُ بالعلْم وزَكنْتُ بالحلم» | Art-and-Literature |
ثم يدعو إلى تجاوز الأعراض السطحية المؤدية إلى الخلاف، والغوص إلى عمق القضية، واسْتِكْنَاهِ جوْهَرها، نفوذًا إلى سر الأدبية المشترك بين الشعر والنثر، فذلك هو الخطوة الضامنة للعدل في الحكم، «فشتّان بين الحامل والمحمول، والعامل والمعمول، ومن السجايا الرضية، العدْلُ في القضية، فوجْهُ العدْل أنْ يُجَرَّدَ الفضْل عن حامله، و... | Art-and-Literature |
ما دام هذا الحَكَم صاحب رؤية تتجاوز الحدِّية إلى التركيب الجدلِي، الساري في نواميس الكون، فالمهم أن يكون الكلام رائقًا، بغضّ النظر عن نظمه أو نثره، «فهو الدر منظومًا أو منثورًا، وما يضرُّ الدُّرَ أنْ لمْ تنظمه النواظم، وقد فضَّلتْهُ الأكابرُ والأعاظم، فلا تُفَضِّلا قائلًا على قائل إلا بفضْل فاضل، وطوْل طائل، فالإحسان ض... | Art-and-Literature |
هنا أعلن الخصمان الابنان «حبيب وغريب» = الشعر والنثر، رضاهما بالحُكْم الفصْل، ورضوخهما لهذا التصور العميق العَدْل، «فقالا: مُنِحْنا بِرَّكَ وإرْضاءَك، ولا عَدِمْنا مُناصَحَتَك وإغْضاءَك، ولا زِلْنا نقتبِسُ من عِلمَك نورًا ونارًا، ونَرْتقي من هديك ذرْوَة ومَنارًا، فلقد سَكَّنْتَ الجوانحَ، ويَمَّنْتَ البوارحَ والسوانحَ، ... | Art-and-Literature |
بهذا يكون السرقسطي تَمَيَّزَ من سابقيه بحمولة من المنطق، أعطته باعًا أوسع في التفسير والتصنيف، كما أنه - باعتباره لاحقًا - استفاد من تقصير السابقين | Art-and-Literature |
إلا أن الأجدر بالتنبيه هو أن السرقسطي نقلَ المقارنة بين الشعر والنثرمن الخطاب الأحادي الذي لا يتكلم إلا باسم أحد الطرفين، مُقْصِيًا نظيرَه، إلى خِطابٍ مُرَكَّب من ثلاثة أصوات، تمثل حقيقة الأطراف الطبيعية للمحاكمة العادلة، حيث يحضر الحكومة الخصمان أمام الحَكَم، والجميع أسْرَة واحدة، كما أنه نقلَ المُقارنة بين الشعر والن... | Art-and-Literature |
هذا المنطق – سَلَّمْنا به أم لم نُسَلِّمْ – يُعتبر في نظري جديدًا عند مقارنته بالمنطق المألوف السائد القائم على تفضيل الشعر لمجرد خاصية الإيقاع، أو تفضيل النثر لمجرد قيمته الوظيفية في الحياة | Art-and-Literature |
أخيرًا يحلق السرقسطي بالمفاضلة بين الشعر والنثر إلى أفق مفاجئ، حيث يضعهما معًا، بما يكتنفهما من رصيد علمي، في مواجهة الرصيد المالي، فهنا يتجلَّى - في نظره - ميدان المناظرة الكبرى، فقد خاطب ابنيْه: «حبيب - الشعر» و«غريب - النثر» قائلًا: «أقرَرْتُما بالنُّبْل عَيْنِي، وقضيْتُما بالبِرِّ دَيْنِي، غيْرَ أنّ بنفسي مِنكما م... | Art-and-Literature |
هذه المقارنة بين انصراف المجتمع عن احترام العلم، واحترام المال، أشار إليها كلٌّ من ابن بسام، وأبي إسحاق البونسي، والأول معاصر للسرقسطي، والثاني متأخر عنه بحوالى قرن من الزمن | Art-and-Literature |
تأبى الساحة النقدية الأندلسية إلا أن تعبّر عن متابعتها الجيدة لمُسْتَجدات نظيرتها المشرقية، وتسجل اطلاعها الواسع على المشهد الأدبي هناك، خلافًا لهذه الأخيرة التي قلما تُولِي اهتمامًا كبيرًا للحركة الأدبية في الأندلس، وإن كان هناك إلماعات بوجود اهتمامات فردية من جانب المتنبي، وأبي نواس - مثلًا - بالأشعار الأندلسية، كما ... | Art-and-Literature |
في صميم هذا السياق يتنزل هذا المبحث الذي يَتَمَحَّضُ للمفاضلة بين كاتبين مَشْرقيَّيْن، عبر محاكمتين أندلسيتين، ينحاز في كل منهما ناقد أندلسي إلى أحد الكاتبين، مرجحًا إياه على الآخر، متسلحًا بكل ما يملك من مهارات حِجاجية لدعم موقفه | Art-and-Literature |
هذان الكاتبان المشرقيان الغنيان عن التعريف، هما بديع الزمان الهمداني وأبو إسحاق الصابي، والناقدان الأندلسيان أيضًا غنيان عن التعريف، وهما أبو محمد عبد الله بن القاسم الفهري، أحد أعيان أسرة القاسميين التي حكمت منطقة البونت، من أعمال بلنسية حتى 485 /1092م، والثاني فهري أيضًا، عصامي حقق لاسمه دويًّا مشهورًا في سماء الكتاب... | Art-and-Literature |
ينبني هذا المبحث على رسالتين، تبادلهما الكاتبان الفهريان، قدَّمَهُما أو قدَّمَ إحْداهما على الأقل مصطفى الطاهري، في أعمال ندوة أقيمت في جامعة الحسن الثاني - عين الشق - الدار البيضاء في عام 1993، حيث لخَّصَ مضمون رسالة ابن القاسم المنحاز للبديع، وركز على تقديم رسالة ابن أبي الخصال المنحاز للصابي، نقيضًا لسابقه | Art-and-Literature |
- في مفتتح الرسالة أن ابن أبي الخصال يعزف على وتر القرابة النسبية، ممجدًا الأصل الفهري، الناسج بينهما بأواصره، مستشعرًا الحرج في اختلاف وجهتي نظرهما، وكأنه يقول: «إن الاختلاف لا يفسد في الود قضية»، حين ناداه: «سيدي الذي كَرُمَتْ عناصرُه، وقدمَتْ أواصرُه، وعَذُبَتْ مَجَانِيه ومَكاسِرُه، (والذي) يعزُّ علي أنْ لا أياسِرُ... | Art-and-Literature |
على هذا الوتر عزف آخر نغمة من مرافعته حين قال: «وإني - أعزك الله، وإن أوْمَأتُ إلى خِلافِك - لَمِنْ أصْفيائك وأحْلافك»، وعلى الرغم من الإلحاح على هذا الإحساس، فإن الطاهري لم يُولِهِ أي إشارة | Art-and-Literature |
- الدعاء المبطن، يندرج ضمن براعة الاستهلال أن يعقب ابن أبي الخصال على مفتتحه السابق بالدعاء لقريبه وخصْمه بأن يلهمه الله التوفيق، كلما تَصَدَّى للمفاضلة بين اثنين قائلًا: «عَرَّفَكَ الله الحُقوق، وكَرَّهَ إليكَ العُقوق، وخَلَّصَكَ من دَواحِضِ الحِجَج، ومَداحِض الزَّلج، وحَمَلَكَ على المهْيَع والمَنْهَج، ورَمَاكَ بجُهَ... | Art-and-Literature |
ما دام ابن أبي الخصال قد نصَّب نفسَه - ضمنيًّا - جُهَيْنَة الخبر اليقين، فإن ذلك مُسَوِّغ لأنْ يشرع في تقديم الدروس حول المُفاضلة أو الحكومة تنظيرًا وتطبيقًا، مخاطبًا صاحبه: «الحكومَة - أعزَّكَ الله | Art-and-Literature |
هناك إيحاء بحيوية الساحة الثقافية والنقدية، يتجَلَّى في سرعة ردِّ الفِعْل على الرسالة الأولى، فوْرَ قراءتها بأيام معدودة، حيث يقول ابن أبي الخصال: «ووقفتُ لكَ منذ أيام على نَفَثاتٍ غُر، وكلام بين الصابي والبديع حر، عالٍ تناوَلَهُ خاطِرُكَ من عُلْو، ووقعَتْ طيْرُ القلوب منه على ثَمَرٍ حُلْو، لكنكَ - والله يَغْفِرُلكَ - ... | Art-and-Literature |
الدافع هنا حساسية مذهبية، إذ هناك صراع محتدم بين مدرستين أدبيتين مشرقيتين، لكل منهما أنصارها، حتى في الأندلس، إذ «لا يخْلو أمَرَاءُ البُلغَاءِ من أتْبَاع يَمْشُونَ على مَدْرَجِهمْ، ويقولون بحُجَجِهمْ، ويَذُبُّونَ عن مَنْهَجِهم، ويَحْمُونَ حِمَاهم، ويَرْمُون مَنْ رَمَاهمْ» | Art-and-Literature |
زاد من حدة وقع هذه الرسالة كونها مكتوبة، لأن ذلك مظَنَّة لخلودها، وتخليدها لموقف تجاه الخصم، ما كان لِيُقابلَ بهذه الحساسية لو أنه كان مجرد خطاب شفهي، يَمْضي مع الريح، ولذلك وَجَبَ دَقّ ناقوس الخطر، إذ إن هناك مذاهب أدبية عدة، «فالحَذَر من النصوص، والبيان – ما لم يخرج إلى العموم من الخصوص، ولم يثبت من الصحف كالبنيان ال... | Art-and-Literature |
هنا نلاحظ أن ابن أبي الخصال استنفر فيه المقام المشحون بالتوتر معجمًا ثرًّا، يمتاح من خلفيات متعددة وحقول متنوعة، فبعد الحكومة والقضاء، يستخدم المساورة والمبارزة والمقارعة والمناطحة والمقايسة «لا تقاس»، والمقارنة (كيف يقرن) | Art-and-Literature |
كما أنه من جهة أخرى، يحدد ماهيتها، ويضبط شروط صحتها، «فالموازنة كالمبارزة إنما تكون بالوفاء، ومقارعة الإكفاء بالإكفاء | Art-and-Literature |
انطلاقًا من تأسيس المفاضلة وتأصيلها، وضبط شروط صحتها، كما رسمها ابن أبي الخصال، فإنه سيتفرع عن ذلك عدة مفاضلات، بحسب الصحة والبطلان وستتولد عن المفاضلة المركزية مفاضلات أخرى | Art-and-Literature |
مرد ذلك أنها لا تتحقق فيها شروط الصحة أعلاه، بحكم أن الصابي أفضل، «فأبو الفضل وإن كان سُمّي بديعًا، ولأخلاف البلاغة رضيعًا، لا يقاس بأبي إسحاق رأسًا، ولا يجعل له سِلْمًا ولا بأسًا، لأنهما – وإن جمعهما أصل اللسان، ومزاولة الإحسان - كالثريا وسهيل، لا يلتقيان، ولا يشتبهان فيما ينتحيان»، إذ الصابي متفوق نثرًا وشعرًا | Art-and-Literature |
كي يضع النقاط على الحروف، فإنه لا يمعن في الغض من الخصم، لأن ذلك يتنافى مع الروح الملحمية في المنافسات التي تقتضي أنْ تُضَخَّمَ صورة المبارَز حتى يكون التفوق عليه له معنى، فالبديع بديع ما لم يُقارَنْ بالصابي «فالجَوُّ لأبي الفضْلِ - ما لمْ يُلَزَّ في قَرَنِه – خَالٍ، وثمَنُه – ما لمْ يُحْمَلْ عَلَى ثَمَنِه - غالٍ، وحُس... | Art-and-Literature |
يبدو أن المفاضلة بين الرجلين عند الكاتب توازي منزلة الصحابة من التابعين، «فهذا على تقديمه نَصٌّ، وإنه بالفضيلة مُخْتَصٌّ، وليس على أبي الفضْل في كَمَالِه نقْصٌ، لأنه إنْ لا يَكُنْ صاحبَ رضْوان، فهو تابعٌ بإحْسان» | Art-and-Literature |
يبدو أن المفاضلة بين الرجلين، تَسْتَبْطِنُ – في الواقع – مفاضلة بين نوعين من الكتابة: | Art-and-Literature |
- الكتابة السلطانية التي تُتَطَلَّبُ في صاحِبها القدرة عَلى تناول جميع الأغراض، بحسب ما ينطبق على الصابي في مقتبس سابق، كما أن صاحبها في موقع القرار يضرُّ ويَنْفَع، ويُعْطِي ويمنع، شأن الصابي الذي «يقْذفُ بالغِنَى ويَجُود | Art-and-Literature |
إلا أنها جَنَّة مَحْفوفَة بالمكاره والمخاطر، إذ لا يمكن أنْ يصمد في معتركها إلا الألْمَعِيُّ المتوقد الذهن، الضابط أعصابه، القادر على الارتجال، في مواقف الرهْبَة والجَلال، وهذا ما لا مَحَلَّ فيه من الإعراب للهمداني المتخصص بنوع آخر من الكتابة، هو: | Art-and-Literature |
- الكتابة الإنشائية الخيالية التي تتطلب الرويّة والتفكير والتأمل، «ولعل أبا الفضل لو التقتْ حَلْقَتَا البِطانِ، وغَشِيتْه مَهابَةُ السلطان، وأُسِرَ في تلك المَحافِل أسْرَ القِدِّ والحَلق، ورمَتْهُ المُلوكُ ذوو التيجان بالحَدَق، وفُوجئَ عَلى غرَّة بإحْدَى الكُبَر، ورُمِيَ بأمْر المَلِك وإنَّما هي واحدة كلمْح بالبصَر، أ... | Art-and-Literature |
ما دام «الأسلوب هو الرجل»، وما دام مدار الخلاف منبثقًا من التعصُّب لهذا المذهب الفنِّي أو ذاك، فإن مناط المفاضلة هو الصراع بين مدرسة الطبْع ومدرسة الصنعة اللتين كانتا مَثَار الموازنات الأدبية في المشرق والمغرب من قديم، باعتبار الصابي يمثّل طريقة العرب الأصيلة، والهمداني يمثّل طريقة العجم الدخيلة | Art-and-Literature |
من هنا يؤسس ابن أبي الخصال على هذا الموقف استغرابه لإقحام ابن القاسم للبديع الهمداني في منافسة، نأى بنفسه عنها في حياته، مع أن مصطفى الطاهري خُيِّل إليه أن ابن أبي الخصال يتساءل عن الأسباب التي جعلت البديع يتحامى الصابي، مع أن الأسلوب هنا إخْبَار وتقرير | Art-and-Literature |
المهم أن الصابي – في نظر ابن أبي الخصال - هو من «وضعَ الهِنَاءَ موضع الهناء، ولم يَعْدلْ عن جادَّة أهْل الدَّهْناء، وارْتَقى إلى البلاغة في أسبابها، وأتى بُيوتَ الفصاحة من أبوابها، وذلك الذَّهَبُ الإبْريز، والسابقُ الذي له التَّبْريز» | Art-and-Literature |
إنه أحد شيوخ مدرسة الطبع الذي «يدعو الحِكمَ فلا تَتَخَلَّف، وتَنْقَادُ له البلاغةُ طوْعًا وتتألَّف، وتتصَدَّى إليه البِدَعُ، فيأخذُ منها ما يَشاءُ ويَدَعُ» | Art-and-Literature |
أمّا البديع الهمداني، فهو وأتباعه يمثّلون مدرسة الصنعة والتكلُّف، وليدةَ العُجْمَة الزاحفة على السليقة العربية | Art-and-Literature |
بناء على أن المقارنة هنا بين المدرستين تستبطن ثنائية السُّنَّة والبدعة، فإن ابن أبي الخصال اسْتوْحَى - في هذه المفاضلة المستحيلة في نظره - صورة الحوْض المَوْرود الذي يَسْبِق إليه المُكَرَّمُون في الدار الآخرة، ويُذاد عنه المَطْرُودون، إهانةً في حوْض المنهل الدنيوي، ولعْنةً في حوْض الجَنَّة الأخْرَوِي، ذلك كله عقابًا عل... | Art-and-Literature |
من المفارقات الطريفة في هذا السياق، أن الكاتب يستحضر في ضوء «السنّة والبدعة» جدلية الثواب والعقاب بالجنة والنار، فيجعل المتشبث بسنّة العرب، المستحق لثواب الجنة هو الصابي غير المسلم، بينما المستحقون أسوأ العقاب هم البديعُ وزُمْرَتُه، ورثة عمرو بن لحي، أول من استورد بدعة الأصنام الوثنية إلى جزيرة العرب، فخرق الفطرة الحني... | Art-and-Literature |
في حضن هذه المفاضلة المتشعبة الأبعاد بين الصابى والبديع، ينتهي ابن أبي الخصال إلى مناقشة ابن القاسم حتى على مستوى لقبي الكاتبين، متلاعبًا بدلالات الأسماء لمصلحة الصابي على حساب البديع، إذ يقول: «وما فخْرُكَ له باللقَب الذي لا يُسَوِّغُه الشرْع، ولا يَحْمِلُه الأصْلُ ولا الفرْع، فهو إلى أنْ يكونَ غلَّ إسَار، أقرَبُ منه ... | Art-and-Literature |
فانظر كيف يستغل كل طرف ما يخدم موقفه، من تأويل الأسماء والألقاب، فإذا كان ابن القاسم حاول استغلال لقب «بديع الزمان» صِفَةَ مدْح لمصلحة صاحبه، فإن ابن أبي الخصال استغل البديعَ باعتباره غلًّا إبداعيًّا، أكثرَ منه حِليَةً وزينَة، بينما تَجَنَّبَ - في المقابل - التَّطَرُّقَ إلى دَلالة لقَب الصابي، لأنها قدْحٌ في العقيدة، و... | Art-and-Literature |
لعل أغرب ما في هذه المقارنة بين مدرستي الكاتبين المَشْرِقيَّيْنِ هو أن الأديبين الفهريين الأندلسيين، انطلقا في رسالتيهما - في المفاضلة - من منطلق واحد، على الرغم من اختلاف المُفَضَّل عند كلَّ واحد منهما، حيث يعترف ابن القاسم صاحب الرسالة الأولى - كما يلخصها مصطفى الطاهري - بـ «أن البديع والصابي فيما يتجَاذبَانِه من أهْ... | Art-and-Literature |
فيا عجبًا! كيف يرجِّح كلُّ واحد من الكاتبَيْن أسلوب الطبْع، ثم يختلفان في مَنْ يمثِّل الطبْع والصناعة، مدَّعيًا كلٌّ منهما أن نظيره هو المصنوع المذموم، فما هذه الدوامة؟ | Art-and-Literature |
خلاصة المقارنة المستحيلة - في نظر ابن أبي الخصال - بين الصابي والبديع، يمكن أن نختزل تقابلاتها المبثوثة في تضاعيف رسالته، معيدين ترتيب عناصرها على النحو التالي: | Art-and-Literature |
مقارنة الصابي بالبديع مثل مقارنة الصعْب بالسهْل، وجَابية الشيخ العِراقي بالقعْب، والفرات بالمَتْح، والفتْح بالهجرة، والصحابة بالتابعين، والصخرة بالوعل، وهَمَّام «الفرزدق« بالأخضر الجلد (الفضْل بن أبي لهَب)، والفصْل بالهزْل، والنصْل بالخَيْزران، والتمام بالمحاق، والثّمَاد الضحْضاح بالسحاب المُسْدَلَة الأرْواق، والماضي ب... | Art-and-Literature |
دلالة هذه الثنائيات واضحة في كون الزوج الأول من كل واحدة منها - بما يحمل من مواصفات إيجابية - هو من نصيب الصابي، بينما الزوج الثاني منها - على علاته - هو نصيب البديع، في نظر ابن أبي الخصال، وإنها لقسْمَة ضِيزَى، كما تلاحظون، فالجمع بين هاتيك المقابلات في المفاضلة والمقارنة يُعتبر عملًا مستحيلًا، لأنه «خرْق إجْماع، وشيء... | Art-and-Literature |
هذه هي المفاضلة الوحيدة التي وفت بشرط التكافؤ المنشود بين المُترَاجِحِين، بحسب نظر الثعالبي، فيما رواه عنه ابن أبي الخصال متبنيًا إياه: «إنَّ المُماثلة على المَسْلك اللاَّحِب، إنَّمَا وقعَتْ بين الصابي وبين الصاحب، وإنَّ الجَهابِذَةَ في ذلك أفَاضُوا، وجَالوا بَيْنَهُما وخاضوا، فهُنالِكَ رُمِي طوْدٌ بطوْد، وزُوحِمَ عَوْ... | Art-and-Literature |
هنا يسقط التقابل بيْن الثنائيات ذات الطرفيْن الموَزَّعَيْن بين الإيجاب والسلْب، لينسخه التماثل بين الطرَفيْن في صَلابَة الطوْد، وقوة العَوْد، وقسَاوَة الصَّخر الصَّلد، وشِدَّة الجَلَدِ، والنفاسة والرياسة | Art-and-Literature |
حتى عندما يستخدم الثنائيات المتقابلات، مثل البحر والبر والنفع والشر والعذب والمر | Art-and-Literature |
ما دامت الرسالة المعارَضَة غائبة بنصها، حاضرة عبر فحوى الرسالة المعارِضَة، فإننا يمكن أن نعتبر قلْب المقارَنة في تقابلاتها السابقة، وكلُّ تجليات المفاضلات المرافِقة بمنزلة استحضار لروح رسالة ابن القاسم الفهري الغائبة، المنحازة إلى البديع، عكس رسالة ابن أبي الخصال المفضلة للصابي «وبضدها تتبين الأشياء» | Art-and-Literature |
أخيرًا نجد ابن بسام ينقل المفاضلة من الكاتبين المَشْرِقِيَّيْن، أمام الحَكَمَيْنِ الأندلسيين، إلى مفاضلة بين أدباء الأندلس أنفسهم، مع هذين الكاتبين وغيرهما من المشارقة، فلأدباء هذا الصقع القصي «نثْرٌ لو رآه البَديعُ لنَسِيَ اسْمَه، أواجْتلاهُ ابْن هِلال لوَلاَّهُ حُكْمَه» | Art-and-Literature |
كذلك الوزير أبو محمد بن القاسم عندما راجع القاضي أبا الفضل عياض (ت 544/1149م)، نراه يتساءل مُهَوِّلًا من مَرْتبَة مُخاطبه البلاغية، وحتى بالمقارنة مع هذين العَلَمَيْنِ المشرقيين: «وبَرَّزْتَ، فأين من شأوك الصاحب والبديع؟!» | Art-and-Literature |
ردَّ أدباء الأندلس ذلك الاعتراف الجميل إلى ابن بسام نفسه، إذ يُخاطبه أبو العباس أحمد بن قاسم المحدث: «إنْ نَظمْتَ، فصَريعُ صَريع، والبَديعُ غيرُ بديع، وإن نثرْتَ، فالصاحبُ صاحب، وقابوسُ ذو بوس» | Art-and-Literature |
لعل أبا عامر ابن شهيد كان أولَ من حَسَمَ هذه المُفاضلة لنَفْسِه، ومَنْ ثَمَّ لِقُطْرِهِ، وذلك من خلال «توابعه وزوابعه»، حين سَمَّى تابعَ البَديع «زُبْدَةَ الحِقَبِ»، وهي تسْمية تُوحِي بتقدير إبداعه، وخُلوده الرمْزي عبْر الزمان، غير أن ذلك لم يمنع تابع الأديب المشرقي من أن يستكثر على هذا الفتى المغربي مستواه | Art-and-Literature |
هنا تحَدَّاه ابن شهيد باقتراح أي موضوع يريد اختبار إبداعه فيه، ولم ينجح في انتزاع إعجابه فحسب، إذ قال: «أحْسَنْتَ ما شِئْتَ أنْ تُحْسِن»، بل إن أبا عامر ما كاد ينتهي من الاختبار حتى «ضَرَبَ زُبْدَةُ الحِقَبِ الأرْضَ برِجْلِهِ، فانْفَرَجَتْ له عنْ مِثل بَرَهُوتٍ، وتَدَهْدَى إليها، واجْتَمَعَتْ عليه، وغابتْ عيْنُه، وانقط... | Art-and-Literature |
مهما يكن، فإن البديع والصابي من جهة، والبديع والصاحب (ت 385/ 995م) من جهة أخرى – بحسب ما يبدو - كانا زوْجَ إبْداع، يمثّلان في ذهنية الكتّاب الأندلسيين مَضْرب المَثل في ما وصَلَتْ إليه بلاغة النثر في المشرق العربي، وهذا ما سوَّغ لهؤلاء الكتَّاب الأندلسيين أن يناظروهما، ويفاضلوهما حينًا، ويَتَفاضلون مَعْهما أحيانًا أخرى | Art-and-Literature |
مع ملاحظة عدم وضوح الرؤية - بشكل كاف - حول موقع كل منهما داخل مدارس الأساليب والبلاغة، وإذا كان البديع لا غبار على انتمائه إلى مدرسة البديع الصناعية، باعتباره اسمًا على مُسَمّى، فإن الصابئ هو محل الخلاف، حيث يُصَنَّفُ نقيضًا للبديع تارة، ورديفًا له حينًا آخر | Art-and-Literature |
يُبنى هذا المبحث - في مجمله - على رسالة واحدة بعنوان «روضة الأديب في التفضيل بين المتنبي وحبيب» قدمها الدكتور محمد بن شريفة في كتابه ابن لبَّال الشريشي، وهنا أجدني مرة أخرى في مواجهة تحد أكبر، إذ يستدعي مني المقام أن أقدم في قراءتي الخاصة لهذه الرسالة أبعادًا جديدة، وإلا كان دوري مجرد تحصيل حاصل، ونقل ناقل، كما يفعل أك... | Art-and-Literature |
هنا تنفتح نافذة صغيرة للإطلالة على بعض ما يدور في هذا الفلك من دراسة تؤثث الفضاء العام للموضوع، مثل دراسة إميليو غرسيه غومث عن المتنبي، حيث ركَّزَ على حضور المتنبي – خاصة – في الأشعار والمختارات الأندلسية في وقت مبكر، بل ربما في حياته، مشيرًا إلى مرجعيته المهيمنة في احتذاءات الأندلسيين، وإلى موقعه - ختامًا مسكًا - لمن ... | Art-and-Literature |
تناولهما أبو الطاهر السرقسطي في مقامة الشعراء، في تعليقات له صلة بعالم الانطباعات الذوقية، أكثر منها في سياق المفاضلة النقدية، وتنتمي هذه التعليقات إلى حضور المتنبي في الروايات الأندلسية | Art-and-Literature |
عن المؤلفات السابقة لرسالة روضة الأديب، تحدث ابن شريفة عن رسالة مناقضة لمنحى هذه، بعنوان «نزهة الأديب في سرقات المتنبي من حبيب»، مفترضًا أنها لـ «ابن حسنون الحميري - أبو بكر - معاصر ابن لبَّال»، ولكن هذا مجرد افتراض، لأن التأليف المذكور - وهو مفقود - لم يعثرْ عليه في مكان آخر، كما أشار إلى أسبقية ابن عبد الغفور الكلاعي... | Art-and-Literature |
تُستفاد هيمنة روح المفاضلة على الأندلسيين من خلال الرسالة ذاتها، حين يعرض ابن لبَّال لقصة أدباء بطَلْيوس الذين احتدم النقاش بينهم عن الشاعرين «حتى كَثُرَ في التفضيل بينهم الصَّخَب، ومال بهم حبُّ التفضيل عن الطرب» | Art-and-Literature |
هنا استنتج من هذه الحروف القليلة ملاحظات عدة أراها جديرة بالانتباه: | Art-and-Literature |
- أن هذه القصة توحي بتكافؤ أنصار الشاعرين، بحيث لم يستطع الفريقان التوَصُّلَ إلى حسْم الترْجيح في مجلس المُتوكل، آخر أمراء بني الأفطس
(ت 485هـ/1094م) | Art-and-Literature |
- أن هذه القضية كانت على درجة من الأهمية بحيث يُسمح لجلساء الأمير في مجلسه بالصخب حوْلَها، خَرْقًا لقواعد الاحْترام الواجب في مثل هذه المجالس | Art-and-Literature |
- أن تَجذُّر روح المفاضلة في نفوس الأندلسيين - خصوصًا بين هذين الشاعرين - جعل لذَّة حُبِّ التفاضل تطغى عندهم على نشوة الطرب بما في هذا المجلس من مُتَع الحياة، وفي ذلك مفاضلة أخرى ضمنية بين الرَّغبات وإشباعات المُتَع، حيث «مال بهم حب التفضيل عن الطرب» | Art-and-Literature |
- أن هذا الحُكْم الفصْل استعصى حتَّى لجأوا إلى الرَّجْم بالغَيْب، بَحْثًا عن حَسْمٍ مستحيل، من خلال الاحتكام إلى أيِّ عامِّي يَلقوْنَه خارج المدينة، اسْتئناسًا بما سينطقُ به، ولوْ كان لا يعنِي شيئًا، على الرغم من أن الحظ أوقعهم على عالِم في زَيِّ فلاَّح، هو شاعر الحموديين بمالقة أبو زيد عبد الرحمن بْن مَقانا الأشبوني ... | Art-and-Literature |
هنا تجاهل ابن لبَّال - ومحمد بن شريفة - الإشارة إلى الأصل المشرقي لهذه الإجابة، المتمثِّل في إحالة أبي العلاء المَعَرِّي (ت 449هـ/ 1957م) على هذه القصيدة، دفاعًا عن المتنبي، في حضرة الشريف المرتضى
(ت 436هـ/1045م) ببغداد، حيث ارتاب هذا الأخير في إحالة المعري، ثم اكتشف أنه لم يُرِدْ إلا الإيحاء بمضمون البيت المفهوم أعلاه | Art-and-Literature |
الملاحظة ذاتها يمكن أنه تنطبق على سر اختيار المأمون بن ذي النون لقافية المتنبي، إفحامًا لتصدي محمد بن شرف القيرواني لمعارضته، بدعوى القدرة على تجاوزه، فقد أوضح أنه خصص له هذه القافية إيحاء بالبيت: | Art-and-Literature |
إذا شاءَ أنْ يلْهُو بلِحْيَةِ أحْمَقٍ | Art-and-Literature |
أرَاهُ غُبَاري ثُمَّ قالَ لَهُ: الحَقِ | Art-and-Literature |
قبل أن أبتعد عن جو هذه الملاحظات التي تداعت إلى ذهني بعد قراءتي هذه الرسالة، أستسمح ابن شريفة في ألا أوافقه في حكمه بأن هذه الرسالة ليست مُوازنة منصفة بين أبي تمام والمتنبي، أو مفاضلة عامة بينهما، بل - من أولها إلى آخرها - تفْضيل صريح للمتنبي على الطائي الأكبر، ولذلك اقتصر ابن لبَّال على الآراء والأقوال التي تشْهَدُ لك... | Art-and-Literature |
فنحن باستقراء عنوان رسالة ابن لبَّال نجد أن الصياغة ترشِّحُ للمفاضلة بين الشاعرين، أكثر من التفضيل الأحادي، لأنه استخدم «بَيْنَ»، ولو كان يحكم مبدئيًا بترجيح المتنبي لاستخدم «على» موضع «بيْنَ»، وكان العنوان: «روضة الأديب في تفضيل المتنبي على حبيب» | Art-and-Literature |
هذا الاستقراء ذاته يكشف لنا الاستراتيجيا التفضيلية التي بنى عليها ابن لبَّال رسالته، حيث يستهل – في الأغلب - كلَّ فقرة أساسية - تمثّل إحدى القضايا والمَناطات التي تؤسِّس الفوارق المعتمدة للمفاضلة بين الشاعرين - بسؤال مُوَجَّه إلى أحد الشيوخ حول أحد هذه الفروقات، فيجيب عنه في جملة مختزَلة متوازنة، تُعطي لكل من الطرفين أ... | Art-and-Literature |
هنا يقدم ابن لبَّال تعقيبًا على الإجابة، يُرَجِّحُ فيه – بالتأويل - كفَّة المتنبي، جالبًا ما تيسر له من التعليلات والاستشهادات، وهكذا يكون صوتُ المفاضلة المتوازنة متمثّلًا في أجوبة أغلب الشيوخ الأندلسيين، بينما يمثّل ابن لبَّال صوت التفْضيل المنحاز، حتى إذا وصل إلى نهاية رسالته، ثاب عن التفضيل الجانح، إلى المفاضلة المت... | Art-and-Literature |
لكَ القَلَمُ الأعْلَى الذي بِشَبَاتِه | Art-and-Literature |
Subsets and Splits
No community queries yet
The top public SQL queries from the community will appear here once available.