Datasets:

text
stringlengths
1
2.38k
en_topic
stringclasses
10 values
تُصابُ من الأمْر الكُلَى والمَفاصِلُ
Art-and-Literature
هذه لعمري قطعة بديعة النسج، رائقة الدرج، لم يُحَكْ على مِثالها، ولم يُنْسَجْ على مِنْوالها، وأرْبَى على أبي الطبيب في قوله:
Art-and-Literature
خَبَتْ نارُ حرْبٍ لمْ تُهِجْها بَنَانُه
Art-and-Literature
وأسْمَرُ عرْيانٌ من الغُصْن أصْلَعُ
Art-and-Literature
هذه لعمري قطعة تدل على طبْعٍ عَفْو، وماءٍ صَفْو، ولكن الأُولى أعْلى، وأليَقُ بالتقديم وأوْلى»
Art-and-Literature
ما دامت الأمور بخواتمها، وابن لبَّال - قد وُفِّقَ لحُسْن الختام، وتابَ توبة نصوحًا من تلاعبه بأحكام شيوخه - تأويلًا – لمصلحة المُتنبي، فإن هذه الرؤية الختامية هي ما ينسجم مع دلالة العنوان، وفق قراءتنا السالفة له
Art-and-Literature
هذا كله هو مَرَدُّ عدم مُسايرتي لابن شريفة في إطْلاقه الحُكْمَ بأن رسالة ابن لبَّال تفضيل وليست مفاضلة
Art-and-Literature
بعد هذه الإلماعات الضرورية في نظري، أستطيع الآن أن ألخص أهم القضايا الجوهرية التي تمحورتْ حولها هذه المفاضلة بين المتنبي وأبي تمام، مانحًا لكل منها عنوانًا بارزًا يختزلها، يقوم - في الأغلب - على بنية الثنائية التقابلية التي تنسجم مع روح المفاضلة بين الاثنين: وهنا ستتضح استراتيجية ابن لبِّال التي تحدثنا عن ملامحها قبل ق...
Art-and-Literature
بهذه الثنائية أبدأ، لأنها أول ما بدأ به ابن لبَّال، ولأنها أهمُّ مَناطات هذه المفاضلة، حيث تَنْدَسُّ دائمًا داخل القضايا الأخرى
Art-and-Literature
فمن الواضح هنا أن الجواب عام ومتوازن، جعل كلًّا منهما أفضل في مَنْحاه، ولكن ابن لبَّال يعقِّب بالتأويل مرجِّحًا كفة صاحبه، معللًا ذلك بكل ما لديه من استشهادات، حيث يقول: «وهذا لعمري فرق بيّنٌ دالٌّ على أن المتنبي أشعر، لأن ما كان من الشعر طبْعًا، لا تَكَلُّفًا، جاء أحْسن، وما كان منه تكلفًا جاء أصعب وأخشن، ولأن غير الم...
Art-and-Literature
يمثّل هذا ما رواه أبو بكر ابن فَنْدِلَة - حين سألوه عن «الفارق بينهما» - من أن الأعلم الشنتمري (ت 476/1083م) «كان إذا دخل شهر رمضان يقرئنا شعر حبيب، وينهانا عن شعر أبي الطيب»
Art-and-Literature
من هنا يتدخل ابن لبَّال، معقِّبًا بالترجيح: «وهذا إفراطٌ في تفضيل أبي الطيب على حبيب، ونهايةٌ وبَلاغٌ في تقديمه عليه، (و) منعه إياهم من قراءته في رمضان، لما فيه من الاسْتغراق في المدح، والمبالغة والغوص على المعاني الرائعة، والأغراض البديعة الفائقة، والغزل المُطْرِب، والتشبيب المُونق المُعْجب، حتى ليذهب بالورع»
Art-and-Literature
في ضوء هذه الرؤية المُغْرِبَة، يتطرَّق إلى ثنائيات: الصدق والكذب، والجد و اللعب، والحق والباطل، والظاهر والتأويل، في الشعر، مرجحًا الطرف الثاني من كلا الزوجين، معتبرًا «أن الشعر لو كان كذبه صدقًا، وباطله حقًّا، وكان الوصف فيه على الظاهر لا على التأويل لَسَخُفَ»
Art-and-Literature
يمثَّل لهذه الثنائية بجواب أبي الفضل ابن الأعلم (جعفر بن محمد)، رواية عن أبي غالب أيمن بن أيمن حين سأله عن الفارق بينهما فقال: «الكُتَّابُ يُفَضِّلون حبيبًا، والشعراء يفضلون أبا الطيب»
Art-and-Literature
على وفق الخطة المتَّبعة يُعقِّب ابن لبَّال قائلًا: «وهذا لعمْري من تفضيل أبي الطيب على أبي تمام، لأن كل أحد أعلمُ ببضاعَتِه، وليس للكتَّاب نِهاية في عِلم الشعر، وإنْ كان لهم به بعض المعرفة، فإنَّهم بالكتابة أبْصر، وباعُهم في عِلم الشعْر أضيَقُ وأقصَر»
Art-and-Literature
في هذه النقطة يستحضر أن أبا الطاهر السرقسطي في مقامة الشعراء، خلال حديثه حول أبي تمام والمتنبي، قال: «إن الطائي الأكبر، نِعْمَ ما صَنَعَ وحبَّر، وبئس ما أفْصَحَ عن المعاني وعبَّر
Art-and-Literature
يلتقط ابن لبَّال هذه المفاضلة السرقسطية، ليولد من أحشائها مفاضلات عدة تتناسخ في ما بينها، ترجيحًا للمعاني على الألفاظ:
Art-and-Literature
قال ابن لبال: « فمدحَ صنعة أبي تمام بالشعر وتنميقه إياه، وذمَّ معانيه في ذلك وجفاه، فليته لو ذمَّ صناعته، مَدَحَ مَعانيه وبراعته، وإلا فهل ترْوي غلة العاطش خُضْرةُ الأشجار، وبهجة كمائم وأزهار،
Art-and-Literature
هكذا بعد تَخَيُّلِ هذا المِثال العجيب، يُنزله على المَناط المقصود: «وكذلك هو شعر أبي الطيب
Art-and-Literature
هنا يستحضر قول ابن رشيق القيرواني: «المعنى مع اللفظ في الشعر كالروح في الجسد، فإذا اخْتَلَّ شيءٌ في الجَسَد ضَعُفَ بعض الجسد، وجاء ناقِصًا وظهَرَتْ دَمَامَتُه
Art-and-Literature
هنا يُقَلِّبُ الثنائية على احتمالاتها الافتراضية: «وقيلَ إنَّ المَعْنى للفظ كالصورة للثوب، فمهما كانت الصورة حَسَنَة في الثوْب الحَسَن كان ذلك أعْلى للناظر، و أوْقعُ في الخاطر، ومهما كانا قبيحين كانا كذلك في النفس والعين، فالصورة الحَسَنَة في الثوب القبيح أحْسَنُ، من الصورة القبيحة في الثوْب الحَسَنِ، لأنَّها هي المعنى...
Art-and-Literature
أخيرًا يُرَكِّبُ ابنُ لبَّال في ذكاء عجيب عدة ثنائيات في بنية واحدة نواتها:
Art-and-Literature
تندرج تحت هذه الصورة المرَكَّبة: ثنائيات المعنى واللفظ، الطبْع والصنعة، المتنبي وحبيب، السنّة والصوفية، الرومي والفارسي
Art-and-Literature
يقول: «وعلى ذكر طبْع أبي الطبيب وصناعة حبيب، نذكر ما مثله العلماء بين أهل السنّة والصوفية، وذلك أنَّ مَلِكًا من المُلوك أمَرَ فارسيًّا وروميًّا أن يُريَ كلُّ واحد منهما أبدعَ صناعته، فبَنَى لهما حائطين ليُصوِّرَ كلُّ واحدٍ في حائطه أبدعَ ما يَعْرفُ من صناعته، وضرَبَ بينهما سِتْرًا، لئلا يَرَى أحدُهما ما يصنع الآخرُ، وق...
Art-and-Literature
إنها صورة مرَكَّبة، وحكاية مُؤسْطرَة، فما هو سبب النزول المبتغى من ورائها؟ يجيبنا ابن لبَّال: «وكذلك أبو الطيب برِقَّةِ طبْعه، ورَوْنَقِ شِعْرِه، وصقال لفْظِه، وفرَنْد مَعناه، يُضَمِّنُ في شعره صناعةَ كلِّ شاعر، مع ما أعْطِيَهُ من الطبْع الرَّوْنَقِي، والنُّور الأفقي»
Art-and-Literature
هنا أشير أيضًا إلى أن هذه القصة – إن لم تخني الذاكرة – أوردها البيروني في كتابه الآثار الباقية في ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة
Art-and-Literature
اتخذ ابنُ لبَّال هذه النقطة فرصة لمواجهته مع أبي علي الحاتِمي البغدادي (ت 388/998م)، ومن ثَمَّ مُدَافعَة «روضة الأديب» «الموضحة»، حيث يكون المناط دائمًا هو المفاضلة بين أبي تمام والمتنبي، وعلى الرغم من أن ابن لبَّال هنا يقرر موقف الحاتمي، ولا يلغيه، إبقاءً على صاحبه، إذ يختزل القضية في دافع الحسد فيقول: «وأما قصة الحات...
Art-and-Literature
بعد حشد بعض الأمثلة على تجذر الحسد في النفوس، يأخذ ابن لبَّال في الرد على الحاتمي، ليتضح خلال السياق أن مثار النقاش هو تفاوت طبقات الإبداع في شعر المتنبي، حيث يقول: «والذي عاب الحاتمي على أبي الطيب قد احتج أبو الطيب بمثله من شعر حبيب، وأتى بالعَجَب العَجيب، وليس هذا كله بحُجَّة، لأنَّ الشاعر كالغوَّاص، تارةً يُخْرِجُ ب...
Art-and-Literature
هذه الرؤية الجدلية المركَّبة لطرفيْ الثنائية تكاد تكون ميْسمًا مميِّزًا للتصور الأندلسي لِحَدَّيْ القضايا، وهي هنا تقترب ممّا سبق أن سمَّاه ابن شُهيد بتوَلُّدِ الحسن من غير الحسن
Art-and-Literature
بعد الاستعراض للآراء الداعمة لهذه الرؤية، يَركب أبو الحسن ابن لبَّال رأسه في التعصب لصاحبه، رادًّا على الحاتمي، قائلًا: «وكلامُ أبي الطيب كله حَسَنٌ، ولكن الحُرَّ مُمْتَهَن، ورديء أبي الطيب في جيده كالقطرة في البحْر، أوالدُّرَّة في التِّبْر، فهَلَّا نَظَرَ الحاتمي هذا النظر، وتَرَكَ القليلَ للكثيرِ وغَفَر، وقارَنَ هذا ...
Art-and-Literature
جاء التعبير عن هذه الثنائية في سياق طريف من سياقات المفاضلات بين المتنبي وحبيب، حيث جاءت محمَّلة بظلال من المنهجية التدريسية في الأندلس، وذلك حين يروي ابن مسلم عن اللغوي الأندلسي الكبير أبي مروان ابن سراج (ت 489 هـ/1096م) أنه «كان لا يُقْرئ من شعْر أبي تمام إلا ثلاثة أبيات، وكان يُقْرِئ من شعر أبي الطيب خمسة أبيات «ثم ...
Art-and-Literature
هنا يستحضر ابن لبَّال قول الجاحظ: «كما لا يَنْبَغِي أنْ يكونَ اللفْظُ عاميًّا ولا ساقطًا سوقيًّا، كذلك ينبغي أن لا يكون وحْشَيًّا، إلا أنْ يكونَ المُتَكَلِّمُ بَدَوِيًّا أعْرابيًّا»
Art-and-Literature
يبادر بإقحام أبي تمام في الخانة الأسْوَأ من طَرَفَيْ الثنائية: «وقال بعضهم لحبيب في مجلس حافل، وأراد تَبْكِيتَه: لِمَ تقول من الشعْر ما لا يُفهَم؟ فقال له حبيب: وأنت لِمَ لا تَفْهَمُ ما يُقال؟، ثم يعقِّب على ذلك بقوله: «والمَطبوع لا يُعَرِّضُ نَفْسَه إلى هذا الطعْن باسْتغلاق اللفظ، وإبْهام المعنى كـأبي الطيب
Art-and-Literature
تلكم هي أهم القضايا التي أدارَ حولها ابن لبَّال مفاضلته بين المتنبي وأبي تمام، وقد حاولت أن أعيد بناءها، بحسب ما يَخدم مقاربتي المنبثقة من قراءة خاصة، تقاطعتْ مع ابن شريفة، وقاطعتْه في بعض الأحيان، وتلك هي طبيعة الأشياء، إذ لكل قارئ أهداف ورؤية تتميز عن أهداف رؤية غيره، وحتى لو كان الموضوع واحدًا، خصوصًا إذا كان البحث ...
Art-and-Literature
الأولى: تتمثّل في الانتقال من التفضيل المنحاز للمتنبي، إلى المفاضلة المتوازنة، لدرجة ترجيح أبي تمام الذي كان مَرْجُوحًا عنده دائمًا
Art-and-Literature
أمّا الثانية: فهي فتح الباب أمام اللاحق لنقد السابق، نَقْدًا بَنَّاءً، بقوله: «فلو اقتصرَ المُتَأخِّرُون على عِلْم المُتقدِّمِينَ لذَهَبَ عِلْمٌ كثيرٌ، وأدَبٌ غزير، وأمّا الجاهلُ فمنْ ضاقَ في العِلم ذرْعُه، وقَصَّرَ به فهْمُه وطبْعُه، حتى يَظنَّ أنَّ لاعِلمَ إلا ما وَعَاه، ولا تَحْقيقَ إلا مَا نَدَبَهُ فهْمُه إلى مَعْر...
Art-and-Literature
الواقع أن الأندلسيين لم يكتفوا باستيراد الجَدَل عن المتنبي وحبيب، ليُوقِفُوهما خصْمَيْن أمامَ مَحَاكِمِهم العادلة، بل فاضَلوا بينهما وبيْن شعراء الأندلس، فالحميدي يقول عن ابن حزم: «وكان عالمًا بنقد الشعْر يقول:
Art-and-Literature
من المعروف كذلك أن أكثر المؤلفين توَاطَأُوا على أن ابن دراج هذا كان نظير المتنبي في المغرب، حتى ترامت هذه الموازنة الذائعة الصيت إلى سمع الثعالبي صاحب يتيمة الدهر، فقال: إنه «بصقع الأندلس كـالمتنبي بصقع الشام»
Art-and-Literature
على الرغم من أن المتنبي «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، فإنه لم يشغل الأندلسيين عن منافسة أبي تمام، وادِّعاء التفوق عليه أحيانًا، فأبو العباس أحمد بن علي الكناني النحوي المنبوذ بـ «اللص» (ت577هـ/1182م) «كان يقرأ عليه شعْر أبي تمام، فمرَّ فيه وصْفُ سيْف، فقال: أنا أشعرُ منه، حيث أقول:
Art-and-Literature
يَرُوعُهـم مُعــايَنَةً ووَهْـمًا
Art-and-Literature
ولوْ نامُوا لزَارَهمُ خَيَالا
Art-and-Literature
ومدائح إدريس بن اليمان اليابسي (ت 450/1058م) تُنْسِي زُهَيْرًا بدائعَه:
Art-and-Literature
ولوْ خَطَرَتْ بـحبيب بن أوْسٍ
Art-and-Literature
طوى كل ما حاك في المعتصمْ
Art-and-Literature
ونونية ابن زيدون - بحسب البونسي - «قَصَّرَ عنها 'ابن أوس' وابن الجهم»
Art-and-Literature
هنا يتكامل البناء الداخلي لأركان هذا الفصل، المتمحض لأصداء المحاكمات النقدية في الأندلس، حيث تدرجنا من المفاضلة بين الشعر والنثر عمومًا، إلى تنويع طرفيهما، بالوقوف أمام محاكمة بين كاتبين مشرقيين، وأخرى بين شاعرين مشرقيين، والآن ينهض الركن الرابع، محاكمةً بين قصيدتين أندلسيتين تخضعان لتحكيم أندلسي
Art-and-Literature
كانت هذه المَباحِث كلها يَجْمَعُ بينها كوْن التحكيم دائمًا من نصيب الأندلسيين، حتى أن حُكْمهم كان على كاتبين وشاعرين من أشهر كتَّاب المَشرق وشعرائه، إيحاءً بتأهلهم للسلطة العليا في مجال النقد الأدبي، إلا أن المبحث الأخير يتمَيَّزُ بتَمَحُّضِه الأنْدَلُسي تَقَاضِيًا، وتحكيمًا
Art-and-Literature
القصيدتان اللتان يتمحور حولهما هذا المبحث قدَّمهما إلى القرَّاء الدكتور محمد بن شريفة في كتابه عن ابن رشيق المرسي، حيث عرَض الرسائل المتبادلة في شأنهما بين أدَبَاء رُنْدَة برئاسة أبي البقاء الرُّنْدي، وابن رشيق في مرْسِية، وهو ما يؤرخ لحوار أندلسي عبر هذه المحاكمة الأدبية، بين «رندة» المُتَقاضِية من جهة، و«مرسية» القاض...
Art-and-Literature
بما أن هذين النصين يندرجان في صميم أطروحة المفاضلات التي أشتغل عليها في الأدب الأندلسي، فقد اعتبرت أن القدر خبأهما، حتى أضعهما هنا في إطار المحاكمة التي هي أفضل سياق لدراستهما
Art-and-Literature
- فأبو الطيب صالح بن شريف الرندي (ت 684/1285م) عندما وجه رسالة «رفْعِ الدَّعْوى في هذه القضية» من رندة إلى ابن رشيق المرسي، علل كتابه بأن «من موجبه - أعَزَّهُ الله - أنَّ قومًا تنازعوا هنا في القصيدتين الواصلتين مع هذه إن شاء الله»
Art-and-Literature
هذا ما يؤكده ابن رشيق أيضًا بقوله في الجواب: «وذكَرَ ما وَقَعَ هنالك، حيث فُرْسانُ اللسان، والمشار إليهم في البيان بالبنان، من التنازع في شأنهما والتفضيل بين أعيانهما»
Art-and-Literature
اقتضى تأزم الخلاف بين أدباء رندة أن يرفع أبو الطيب الرندي هاتين القصيدتين إلى ابن رشيق، وقد أكد الأخير تسلمه لهما، قائلًا: «وصلتْ إفادةُ سيدي
Art-and-Literature
- هنا نتذكر تشنيع ابن أبي الخصال في القبول بالحكومة، وتهويله من شأنها، وهو ما يعني أن ذلك كان شعورًا مشْتَرَكًا لدى الأندلسيين، فهذا ابن رشيق المرسي يستعيد، بعد أكثر من قرن، الموقف ذاته، حيث أشار عليه الرندي «بتولِّي القضَاء في ذلك، وإنْفَاذ الحُكْم»، فاستعظمَ الترْشِيحَ، قائلًا:
Art-and-Literature
«فأنكرْتُ – عَلِمَ الله - الولايَةَ
Art-and-Literature
بعد عرضه مواقف السلف من التحكيم، خصوصًا في قضية «صفين»
Art-and-Literature
- حدد ابن رشيق المُرْسي لهذه المحاكمة - التي طالما تَهَيَّبَها - شروطًا، تضْمنُ للعدالة أن تأخذ مجراها، من دون مؤثرات خارجية أو داخلية، تشوِّش على مَسارها، خصوصًا أن صاحبيها مجهولان لديه، حيث لم يُعْلَنا أصْلًا
Art-and-Literature
هكذا أَحضر وكلاءَ الأطراف، وتفاوَض معهم في شأن المَنْهَج الذي سيَتَّبِعُه في المُقارَبَة النقدية، للموازنة بين القصيدتين:
Art-and-Literature
«فاشترطتُ أن لا نَسْتَبِدَّ بقِيل، ولا نَسْتَمِدَّ إلا من دليل، وأشعَرْتُ الحَذَرَ من حَضَر، وألا يُناظِرَ إلا من نَظَر، فقال بعض الحاضرين، ولسان المناظرين: ما المطلوب؟ وكيف الأسلوب؟ أتخْلدُ إلى الاقتصار، على مواضع الاختيار؟ أم تُلقي كيْتَ وكيْت
Art-and-Literature
فقلت أتوسَّطُ للمقالين - كذا - ، حالًا بين حالين، وأتتبَّعُ القوْل في المواضع الثلاثة، وأشير - فيما بعد - إلى السّمن المُعْتبر أو الغَثاثة»
Art-and-Literature
إن الرؤية الوسَطِية تنسجمُ مع أرْضية العدالة التي يريد هذا الحَكَمُ المُعْتَمَدُ أنْ يَدْحُوَّها، مِهادًا لحُكمه الفصْل المُنْتظر
Art-and-Literature
- إن من شروط العدالة المبتغاة، في مثل هذا الموقف، أن يقرأ الحَكَمُ القصيدتين قراءة متأنية، تؤسِّسُ تصوُّرَه الأوَّلِي في شأنهما، قبل الفصْل الحاسم، وفقًا لقاعدة: «الحُكْمُ على الشيء فرْعٌ عن تصوره»
Art-and-Literature
«أمّا إحْداهما: فشامِخةٌ بأنْفِها، زاهيةٌ على أبناء صِنْفِها، لنْ تقنَعَ من التسَامِي ببَعْض، ولا ترَى أنْ تضعَ قَدَمًا في أرْض، بل اتَّخَذَتْ مِنْهاجًا، واتَّخَذَتْ إلى السَّماء مِعْراجًا، فلمْ ترْضَ إلا بالهِلال نَزيلًا، والنُّجُوم قَبيلًا، والأوْج نِطاقًا، والشُّهْب رِوَاقا
Art-and-Literature
من الواضح أن هذا الوصف المكتنِز الذي يقدمه الناقد الحَكَم، يلتقط سِمَة جوهرية، تهيمن على القصيدة الأولى، وهي«التسامي» وغزو الفضاء، عبْر الاستعارات الفلكية، حيث تبدأ هكذا:
Art-and-Literature
خُذْها يَبِيتُ لها الهلالُ نَزيلا
Art-and-Literature
وتكادُ تأتي بالنجوم قَبيلا
Art-and-Literature
عَقَدتْ على أوْج السماء نِطاقَها
Art-and-Literature
وتخَيَّرَتْ منْ شُهْبِها إكْليلا
Art-and-Literature
واسْتَجْمَعَتْ ماءَ المَجَرَّة عنْدها
Art-and-Literature
وتَبَوَّأتْ فيْءَ الظلال مَقيلا
Art-and-Literature
وكأنَّما اسْتَلَبَتْ قِنَاعَ الشمْس إذْ
Art-and-Literature
وَجَدَتْ أبَا بكْر إليكَ سَبيلا
Art-and-Literature
لعلَّ بلاغة هذا المِعْراج تكمن في أن تَسَامِي المقدمة كان باتِّجاه المَمْدُوح الذي تَخَلَّصَتْ إليه بعُروج، لا بنُزُول
Art-and-Literature
«أما الثانية فلطيفةُ الشمائل، عُذرية الوَسائل، واصِلة برَاحِها، مَدَى أفراحها، مُمْتعة بكاسها، مَحاضِرَ جُلاَّسِها، فطوْرًا تبْرزُها دُرَّةً بيْضاءَ، تَحْمِلُ منْ عَسْجَدِيتِها نقطة صَفْرَاء، وتارة يُطْلِعُها هَالة فَلِكية، وتُعِيرُ هلالَها حِليَةً مَلَكِيةً، فهي الرِّقة نفسُها، تسْتَحْضِرُ ليَالي أنْسِها، وترْتاحُ لأي...
Art-and-Literature
لعل أهم ما التقطه هذا الناقد العبقري من مميزات هذه القصيدة الثانية، هو ازدواجها – في المقدمة – بين نفْحَة الحُبِّ العُذري ولفْحَة الكأس الخَمْري، مع أن طابع اللهو هذا لا يطغى على مُتَّكأ العِزِّ الذي يُسْنِدُ إليه الشاعر ظهْرَه، حين يتخلَّص إلى مَدْح مَعْشر، سَادته ذوو منْعة وعِزَة
Art-and-Literature
خُذْها كما هّبَّ النسيمُ عَليلا
Art-and-Literature
تَشْفِي المُحِبَّ من الحَبيب غَليلا
Art-and-Literature
راحًا إذا عَلّلتَ نفْسَكَ بالمُنَى
Art-and-Literature
يوْمًا فحَسْبُكَ باسْمِها تَعْليلا
Art-and-Literature
ما كأسُها ما خِلْتَ لكنْ دُرَّةٌ
Art-and-Literature
بيضاءُ تَحْمِلُ عَسْجَدًا مَحْلولا
Art-and-Literature
وإذا خَشيتَ - ولا خَشيتَ - حَوادِثًا
Art-and-Literature
فتَبَوإ العِزَّ المَنيعَ صَقيلا
Art-and-Literature
مِنْ مَعْشَرٍ وَرِثُوا العُلا عنْ سِادَةٍ
Art-and-Literature
طابُوا فُرُوعًا في العُلى وأصُولا
Art-and-Literature
- بعد هذه القراءة المتأنية، النافذة إلى أعماق القصيدتين، بدأ العَدُّ التنازلي للوصول إلى الحُكْم النهائي، حيث وضعهما في المُختبَر، للتمييز بينهما، «فعُرِضَتْ السبيكتان على المعيار، واعْتُبِرَتا حَقَّ الاعْتبار، فبَانَ الفضْلُ لأهْلِه، وامْتازَ وعْرُ المُرْتَكَبِ منسهْلِه»
Art-and-Literature
- فبعد تمْحيص السَّبيكَتَيْن المُتنازعَتَيْن قَصبَ السَّبْق، كان لا بُدَّ في النهاية من ترْجيح إحْداهما على الأخرى، على الرغم من اشتراكهما في الروْعَة والإبْداع
Art-and-Literature
ثم يَعْرِضُ القصيدةَ القاضِيةَ، مُتَشّبِّعَةً بمُعْجَم الحُكومة: القضاء – القضية - التسجيل - الخصمان – الحكم - الفتوى - التفاضل - التناوب – التنازع - الحجاج – التناظر
Art-and-Literature
خُذْها تُسَجِّلُ حُكْمَها تَسْجيلا
Art-and-Literature
وتَصِيرُ أصْلاً في القَضَاءِ أصِيلا
Art-and-Literature
فَتْوَى إمامٍ أو حُكومَة عادلٍ
Art-and-Literature
ما كانَ جَاهُكَ مُخْطِئًا ومذيلا
Art-and-Literature
حَكَّمْتَنِي فَرَأيْتُ ذاكَ وِلايَةً
Art-and-Literature
خَلَعَتْ عليَّ منِ الجَميل جَميلا
Art-and-Literature
لم أسْتَطِعْ صَرْفًا لها فكَأنَّنِي
Art-and-Literature
أقْبَلْتُ أمْحُو رَسْمَها تَقْبيلا
Art-and-Literature
وعَلِمْتُ أنِّي لمْ أكُنْ أهْلاً لَها
Art-and-Literature
حَتَّى كُسِيت حليَها تأهيلا
Art-and-Literature
ثم بعد هذه المقدمة الماهدة، يؤكد استعداده للقول الفصْل، بعد التَّرَوِّي، وأخْذِ الحِيطةِ اللازمة، واثقًا من مِصْدَاقيته، وعدَم قابليته للنَّقْض، على الرغم من احتدام النزاع:
Art-and-Literature
فلأقْضِيَنَّ على الزمان قضِيةً
Art-and-Literature
لاَ نَسْخَ يَلْحَقُها ولا تَبْديلا
Art-and-Literature