Datasets:

text
stringlengths
1
2.38k
en_topic
stringclasses
10 values
وحَازَ دَهاءَ الرُّوم من زُرْقَةِ النَّصْلِ
Art-and-Literature
أرَّخَ ابن حزْم للحظة تفاعل الأعراق والأذواق، منطلقًا من رصْد الظاهرة وتأثيرها في نفسه هو، وفي غيره، حيث يقول: «دَعْني أخْبِرْكَ أنني أحْبَبْتُ في صباي جارية لي شقراءَ الشعر، فـما استحسنتُ من ذلك الوقت سوْداءَ الشعر، ولو أنها على صورة الشمس، أو على صورة الحُسْن نفسه، وإني لأجِدُ هذا في أصْل ترْكيبي من ذلك الوقت، لا تُو...
Art-and-Literature
أما جماعة خُلفاء بني مرْوان يرْحَمهم الله، ولاسيما وَلَدُ الناصر منهم، فكلهم مَجْبُولون على تفْضيل الشقرة، لا يختلف في ذلك منهم مُخْتلف، وقد رأيناهم، ورأينا من رآهم، من لدن دولة الناصر إلى الآن، ما فيهم إلا أشقر، نزاعًا إلى أمهاتهم، حتى صار ذلك منهم خليقة، وهكذا أولادهم وإخوانهم وجميع أقاربهم، فلا أدْرِي أذلك استحسانٌ ...
Art-and-Literature
يُعتبر هذا النص أهم شهادة على هذه النزْعة الزاحفة على الأعراق والأذواق في الأندلس
Art-and-Literature
لأن ابن حزم قدّمَ أسْرَتهَ وأسرة المروانيين في الأندلس مثاليْن على هذا الانقلاب الجذري في التركيبة العرقية والنفسية لهما، فإنه عزَّز تعبير الطليق في شعره عن ذلك، بمثال من شعره هو، يقول فيه:
Art-and-Literature
يَعيبُونَها عنْدي بشُقْرَةِ شَعْرها
Art-and-Literature
فقلتُ لهمْ هذا الذي زَانَها عنْدي
Art-and-Literature
يَعيبُونَ لوْنَ النور والتِّبْر ضَلّةً
Art-and-Literature
لرَأى جَهولٍ في الغِواية مُمْتَدِّ
Art-and-Literature
وهلْ عابَ لوْنَ النَّرْجَس الغَضِّ عَائبٌ
Art-and-Literature
ولوْنَ النجوم الزاهِراتِ على البُعْدِ؟!
Art-and-Literature
وأبْعَدُ خَلْقِ الله عنْ كلِّ حِكْمَةٍ
Art-and-Literature
مُفَضِّلُ جُرْمٍ فَاحِمِ اللوْنِ مُسْوَدِّ
Art-and-Literature
به وُصِفَتْ ألْوانُ أهْل جَهَنَّمٍ
Art-and-Literature
ولبْسَةُ باكٍ مُثْكلِ الأهْل مُعْتَدِّ
Art-and-Literature
ومُذْ لاحَت الراياتُ سُودًا تَيَقَّنَتْ
Art-and-Literature
نفوسُ الورى أنْ لا سَبيلَ إلى الرُّشْدِ
Art-and-Literature
يستغلُّ ابن حزم في هذه المفاضلة خِبْرَتَه الحِجَاجِية المعهودة، إذ يسفِّه رأي الطرف المُنْجاز لسَواد الشَّعَر، ويفنّد مرتكزاته، مانحًا لون الشقرة المفضَّل لديه كلَّ ألوان الأشياء النفسية والجميلة، مثل النور والتبر والنرجس والنجوم الزهر، بينما يُضفي على اللون الأسود المفضَّل لدى غيره أقبح الصفات، بمقاييس الطبيعية: «سواد...
Art-and-Literature
هنا لا بد من أن أسجِّل أنه يُستنبَط من كلام ابن حزم السابق - وإن لم يصرح بذلك - أن النزعة الأصلية هي عشق الشَّعر الأسود، وأن هذه النزعة المنحازة إلى الشقرة وافدة
Art-and-Literature
هذا ما يتجلى حتى من خلال عنوانه للموضوع «بابُ من أحبَّ صِفةً، لم يَسْتحسنْ بعدها غيرَها، ممّا يُخالفها»
Art-and-Literature
يؤيد ذلك كونُه عندما فسَّر الظاهرة، وضَعَها في سياق تلوُّنات مُؤشِّر الحُبِّ الذي لا يَحْكمه مَنْطق، خارجَ الحُبِّ ذاته: «اعْلمْ - أعَزَّكَ الله - أنَّ للحُبِّ حُكْمًا على النفوس ماضيًا، وسُلطانًا قاضيًا
Art-and-Literature
شاهدتُ كثيرًا من الناس - لا يُتَّهَمُون في تمْييزهم، ولا يُخافُ عليهم سُقوطٌ في معرفتهم، ولا اخْتلالٌ بحُسْن اختيارهم، ولا تقصيرٌ في حَدْسِهم - قد وَصَفُوا أحْبَابًا لهم في بعض صِفاتهم بما ليْس بمُسْتحْسَن عند الناس، ولا يُرْضَى في الجَمَال، فصارتْ هِجِّيرَاهم، وعُرْضَةً لأهْوائهم، ومُنْتَهَى اسْتِحْسانهم»
Art-and-Literature
هذا المقتبَس يؤيِّد أن المهيمن على الذوق الأندلسي هو عشق الشعر الأسود واللون الأبيض، لأن ذلك هو المورث العربي السائد، حيث كانت أهم خصائصهم الخَلْقية قد بدأت تجنح إلى التهجين بين اللونين «البياض المُشرب بحمرة»، و«اللذين قد يمتزجان، فيصيران سُمرة في الجنوب، ثم القوام المُعْتدِل الطول، والشعَر الذي يَغْلبُ عليه السواد، كل...
Art-and-Literature
يبدو أن هذه السمات خاصة بالأندلس الإسلامية، أمّا إسبانيا الأخرى، فقد كان الغالب عليها هو الشُّقْرَة وزُرْقَة العُيون، وكلما احتدم التفاعل بين الطرَفيْن اشتدَّ التجاذب بين الموَرّثات، حيث يرى الطاهر مكي - تعليقًا على رأي ابن حزم السابق - أنه «كان للأسيرات الخادمات من بلاد الإفرنج، في جنوب فرنسا، ومن مقاطعات قطلونية والب...
Art-and-Literature
هذا طبعًا بالإضافة إلى تجارة الرقيق التي كانت رائجة في أسواق الأندلس
Art-and-Literature
هكذا توزَّعَ الذوقُ الجمالي في الأندلس بين ألوان الطيف هذه، في صِبْغتها الجينية، متذبذبًا بين لوْنيْن، أو مرجِحًا أحدهما على الآخر، عبر معالم الجَمال البشري بألوانه التالية:
Art-and-Literature
بدأ بالشَّعرلأنه قمة الهرم الجسدي للإنسان، وهو مَجْلَى الشقرة أو السواد، المتنازعين لذوق الشاعر الواحد أحيانًا، مثل يوسف بن هارون الرمادي الذي يتغنَّى تارة بسواد الشعر على الوجه الأبيض، في تناغُمِهما الشبيه بجدلية الليل والصباح، حيث يقول:
Art-and-Literature
وجَدْتُكَ دهْرًا ثابتًا: شَعْرك الدُّجا
Art-and-Literature
وَوَجْهُكَ إصْبَاحٌ، وهَجْرُكَ كالصرْفِ
Art-and-Literature
فإنْ أبْغِ صُبْحًا كانَ خَدُّكَ مُصْبِحي
Art-and-Literature
وإنْ أبْغِ ليْلاً بِتُّ في شَعْركَ الوَحْفِ
Art-and-Literature
ثم يعمِّق فلسفته لهذا الشُّعور المنجذب إلى سواد الشَّعر، بأنه أصبحَ يحبِّب إليه كلَّ شبيه له، حتى الليالي التي طالما عبَثَتْ به صروفها:
Art-and-Literature
وكنتُ عن الليالي غيْرَ رَاضٍ
Art-and-Literature
بحَالٍ إذْ جَنَتْ تغْييرَ حَالي
Art-and-Literature
فلمَّا أنْ رأيتُ الليلَ شِبْهًا
Art-and-Literature
لِلِمَّتِه رَضيتُ عن الليالي
Art-and-Literature
على الكفة الأخرى لذوقه، تحافظ الشقرة على مَوْقِعها الوازن، وفق فلسفة مُغايِرَة - في منْطقها وحُجِّيَّتِها - لسابقتها، إذْ لكل مَقام مَقال، فإذا اعتمد – قبْلًا - على أنه «بضدِّها تتبيَّن الأشياء»، فهو هنا يبني رؤيته على أنه بشبهها تتناغم الأشياء:
Art-and-Literature
وبياضُه في شُقْرَةٍ فتَقَارَنَا
Art-and-Literature
حُسْنٌ بلا ضِدٍّ فكانَا أشْبَها
Art-and-Literature
كسَلاسِل الذَّهَب المُوَرَّس فوْق وجْـ
Art-and-Literature
ـهٍ منْ لُجَيْنٍ بالمَلاحَة قدْ زَها
Art-and-Literature
وكذا الصباحُ بياضُه في شُقْرَةٍ
Art-and-Literature
فكأنَّه بهما غَدَا مُتَشَبِّها
Art-and-Literature
أمّا عبادة بن ماء السماء، فإنه ينحاز إلى الشُّقْرَة، حيث يشبِّه لِمَّة شقراء مرجلة، بطبق مكفأً من الذهب المحض:
Art-and-Literature
وكأنَّ الْتِفافَ شَعْركَ جَعْدًا
Art-and-Literature
فوْقَ وجْهٍ يُضيءُ ضوْءَ السِّرَاجِ
Art-and-Literature
طَبَقٌ مُكْفَأٌ منَ التِّبْر مَحْضًا
Art-and-Literature
تحْتَه للعيون لُعْبَةُ عَاجِ
Art-and-Literature
أمّا المفاضلة الحقيقية التي يتمَحَّضُ لها نَصٌّ بحاله، يتحاور ضمنه صوتا الشَّعر الأسود والشَّعر الأشقر، ويتحاكمان أمام قاض، هو الشاعر مبدع النص، فخير مثال لها هو قصيدة أبي أيوب سليمان بنبطال «المتلمس» (ت 402/1012م)، حيث يركِّب مع الشقرة زرقة العين، ومع سواد الرأس كحل العين:
Art-and-Literature
وشَادِنَيْنِ ألَمَّا بِي عَلَى مِقَةٍ
Art-and-Literature
تَنَازَعَا الحُسْنَ في غاياتِ مُسْتَبقِ
Art-and-Literature
كأنَّ لِمَّةَ ذا من نرْجَسٍ خُلِقَتْ
Art-and-Literature
على بَهَارٍ، وذا مِسْكٌ على وَرِقِ
Art-and-Literature
وحَكَّمَا الصَّبَّ في التَّفْضيل بيْنهما
Art-and-Literature
ولمْ يَخافَا عليْه رِشْوةَ الحَدَقِ
Art-and-Literature
فقامَ يُدْلي إليه الريمُ حُجَّتَه
Art-and-Literature
مُبَيِّنًا بِلِسَانٍ منهُ مُنْطَلِقِ
Art-and-Literature
فقالَ: وجْهيَّ بدْرٌ يُسْتَضَاءُ به
Art-and-Literature
ولوْنُ شَعْريَّ مَقطوعٌ منَ الغَسَقِ
Art-and-Literature
وكحُلُ عَيْنَيَّ سِحْرٌ للنُّهَى وكذا
Art-and-Literature
كَ الكحْلُ أحْسَنُ ما يُعْزَى إلى الحدقِ
Art-and-Literature
فقالَ صاحِبُه: أحْسَنْتَ وصْفَكَ لَـ
Art-and-Literature
كِنْ فاسْتَمِعْ لمَقالٍ فيَّ مُتَّفِقِ
Art-and-Literature
أنَا على أفُقِي شمْسُ النهار ولمْ
Art-and-Literature
تَغْرُبْ وشُقْرَةُ شَعْرِي شُقْرَةُ الشَّفَقِ
Art-and-Literature
والشَّمْسُ لولا سَنَاها لمْ يَكُنْ
Art-and-Literature
يَبْدُو إذا مَا ألمَّ الليْلُ بالأفُقِ
Art-and-Literature
فَضَلَّ ما عِبْتَ في عَيْنَيَّ منْ زَرَقٍ
Art-and-Literature
إنَّ الأسِنَّةَ قدَ تُعْزَى إلى الزَّرَقِ
Art-and-Literature
قَضَيْتُ لِلمَّةِ الشَّقْرَاء حيْنَ حكَتْ
Art-and-Literature
لوْنِي كذا حُبُّهُ يَقْضِي عَلَى خلقي
Art-and-Literature
هذه القصيدة تُبنى على محاكمة بين المورثات المتصارعة داخل الأعراق والأذواق في المجتمع الأندلسي، رامزة إلى الإثنيتين بلوني الشقرة والزرقة من جهة، والسوادين في الشعر والعين من جهة أخرى
Art-and-Literature
ثم يصدر الشاعر العاشق الحُكْم بتفْضيل الشُّقْرَة، معلِّلًا ذلك بأنها تُشْبِه لوْنه: «صفرة العشق»
Art-and-Literature
هكذا أراد الشاعر «المُتَلَمِّس الأندلسي» أن يُوَضِّح لنا أن اصطراع المُوَرّثات العِرْقية المَرْموز إليها بهذه الألوان، ما زال على أشدِّه، داخل كينونة المجتمع الأندلسي، وأن ذوق هذا المجتمع - مهْما انحاز إلى المُوَرّث الجديد: «الشقرة والزرقة» - لا يعني التخلِّي عن جَمَال المُوَرّث الأصلي: «سواد الشعر والعين»، ولا التنكر ...
Art-and-Literature
بعد الشَّعر نتدرَّج إلى العَيْنَيْن اللتيْن لهما علاقة وطيدة في لوْنهما بلوْنه، فالشَّعر الأسود دائمًا تصحبه العيون السود، أمّا الشقرة فيلائمها كلٌّ من زرقة العيون وخضرتها، حسبما تقدم، وفي زرقة العيون يقول ابن سارة البكري:
Art-and-Literature
ومُهْفْهَفٍ أبْصَرْتُ في أطْوَاقِه
Art-and-Literature
قَمَرًا بآفاقِ المَحَاسِن يُشْرِقُ
Art-and-Literature
تَقْضِي علَى المُهجَاتِ منهُ صَعْدَةٌ
Art-and-Literature
مُتَألِّقٌ منْها سِنَانٌ أزْرَقُ
Art-and-Literature
أمّا خضرة العيون، ففيها يقول يوسف بن هارون الرمادي:
Art-and-Literature
كأنَّ أجْفانَهُ جُفُونُ الذي أهْـ
Art-and-Literature
واهُ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْهَرْ
Art-and-Literature
كأنَّها كُؤوسُ فِضَّةٍ فرضتْ
Art-and-Literature
قِيعَانُها بالزُّمُرّدِ الأخْضَرْ
Art-and-Literature
من لواحق هذا التطور الجِيني، المؤثّرفي الذوْق الجَمَالي في الأندلس، تجاذبٌ آخر بين لَمَى الشفتين وحُمْرَتهما، حيث تتبع الحمرة للشقرة والزرقة، ويتبع اللمى لسواد الشَّعر وكحل العينين، وقد تفنَّنَ شعراء الأندلس في إعادة رسْم هاتين الشفتين، المتنازعتين - أحيانًا - بين الحُمْرَةِ واللَّمَى
Art-and-Literature
أقَبَلَ في غِيدٍ يَحْكِينَ الظبا
Art-and-Literature
بِيضَ تَرَاقٍ حُمْرَ أفْوَاه
Art-and-Literature
على درْبه سار الأسعد بن بليطة في جارية غلامية:
Art-and-Literature
أرَى نُكْهَة المِسْواكِ في حُمْرَةِ اللَّمَى
Art-and-Literature
وشاربُك المُخْضَرُّ بالمِسْكِ قدْ خُطّا
Art-and-Literature
عَسَى قُزَحٌ قَبَّلْتِهِ فإخَالُه
Art-and-Literature
على الشَّفَةِ اللَّمْيَاءِ قدْ جاءَ مُنْحَطَّا
Art-and-Literature
فأمّا الرمادي، فقد خَصَّ الشفتين الحمْراويْن بالوصف، جاعلًا لونيهما متصرفين بين الوجْنتين والشفَتيْن، فإذا خَجِلَت المَحبوبة تحَيَّرَت الحُمْرَة في الخدَّين، وإذا ما فارقها الخجل عادت الحُمْرَة إلى الشفتين:
Art-and-Literature
وكأنَّ دُرَّ الخَدِّ يُكْسَى حُمْرَةَ الْـ
Art-and-Literature
ياقوتِ منْ نَظَرِ العُيُونِ إليْهِ
Art-and-Literature
وكأنَّ خَجْلَتَهُ - إذا ما فارَقتْ
Art-and-Literature
وجَناتِه - عادتْ إلى شَفَتَيْهِ
Art-and-Literature
مرة أخرى يجعل الشفتين الحمراوين بابي عقيق، يكتنزان الدر المصون بينهما:
Art-and-Literature
وعلى الأشْنَبِ بَابَا عَقِيقٍ
Art-and-Literature
يَحْفَظَانِ الدُّرَّ بأن لا يُضَيَّعْ
Art-and-Literature