Datasets:

text
stringlengths
1
2.38k
en_topic
stringclasses
10 values
فانظر إلى هذا الرَّجل المتحدر من فحص البلوط الذي جاء إلى هذا المَحُفل والخليفة لا يعرف وجهَه، ثم تحَوَّل فجأة، بقدرة خطيب، وبسحر بديهة، إلى «كبش رجال الدولة»، وقاضي قضاتها، وإمام عاصمتها، فهل يساوِرك الشَّك في أن خطبته لو كانت مكتوبة، تستطيع أن تحقق له هذا المجد؟
Art-and-Literature
على كل حال، يبقى الحُكْم الملائم على هذه الخطبة هو ما حَزَّ به الخليفة الناصر مفْصلَ الصواب، حين قال: «والله لقد أحسن ما شاء، فلئِنْ كانَ حَبَّرَ خُطبته هذه وأعدَّها، مخافة أنْ يَدُورَ ما دَار، فتلافَى الوَهَنَ، فإنه لبديعٌ من قدرته، واحْتياطه، ولئِنْ كانَ أتى بها على البديهة لوَقْتِه، إنه لأعْجَبُ وأغرب»
Art-and-Literature
الواقع أن صفات البداهة وجيشان الخاطر، ورباطة الجأش، والصدق في المواقف، ظلت سمات مميزة لمنذر بن سعيد، ترافقه في حياته، غير متأثرة بالعوارض الخارجية، حتى ولو كلَّفه ذلك مواجهة ولِيِّ نعمته عبد الرحمن الناصر، عندما انشغل بإنشاء مدينة الزهراء عن شُهُود الجمعة، فأرادَ القاضي البلوطي وعْظه وتقريعَه، «فابْتدأ أوَّلَ خُطبته بق...
Art-and-Literature
إذا رجعنا إلى نص الخطبة، سنجد أن ارتجالها لم يؤثرْ في بنائها ومُلامَسَتِها لمقتضيات المَقام، حيث حقق براعة الاستهلال حين قال: «أمَّا بعْدُ، فإنَّ لكلِّ حادثة مَقامًا، ولكلِّ مَقام مَقالًا، وليس بعد الحق إلا الضلال، وإني قمتُ في مَقام كريم، بين يدَيْ مَلِكٍ عظيم، فاصْغُوا إليَّ بأسْماعكم، وأمِّنُوا عليَّ بأفْئِدَتكمْ»
Art-and-Literature
ثم تَخَلَّصَ إلى صُلْبِ المَوضوع: «وأنا أذَكِّرُكم نِعَمَ الله عليكم، وتَلافِيه لكمْ بخلافة أمير المؤمنين، التي أمَّنَتْ سِرْبَكم، ورَفَعَتْ خوْفَكم، وكنْتمْ قليلًا فكَثَّرَكم، ومُسْتَضْعَفِين فقَوَّاكم، ومُسْتَذَلَّين فنَصَرَكم
Art-and-Literature
على ذكر رباطة الجأش والقدرة على الارتجال، على الرغم من رَهَبُوت الاحتفال، أعتقد أن وصف ابن شهيد وابن أبي الخصال استوحيا وصفهما لهذه الحال من مشهد هذا الموقف الذي نَشَبَ فيه أبو علي القالي، وفازَ فيه منذر بن سعيد البلوطي، حيث يقول أبو عامر: «وإنما يَتَبَيَّنُ تقصيرُ المُقصِّر، وفضْلُ السابق المُبرّز، إذا اصْطكت الرُّكَ...
Art-and-Literature
المشهد ذاته يعيد رسمه ابن أبي الخصال، مفاضلًا بين الصابي والبديع، قائلًا: «فلعل أبا الفضْل لو الْتَفتْ حَلْقَتَا البطانِ، وغَشِيتْهُ مَهابةُ السلطان، وأسِرَ في تلك المَحافلِ أسْرَ القِدِّ والحِلَق، ورَمَتْه الملوك ذوو التيجان بالحدَق، وفوجئَ على غرَّة بإحْدَى الكُبَر، ورُمِي بأمْر الملك، وإنما هي واحدة كلمْح البَصر، أس...
Art-and-Literature
فهذه في الحقيقة هي مواقف المبادهات التي يُكرَم فيها المرء أو يُهان
Art-and-Literature
الواقع أن موهبة الخطابة لم ينضب معينها في الأندلس، بمجرد موت منذر بن سعيد، بل «جعلها كلمة باقية في عقبه»، حيث نجد أن المستظهر بن هشام الأموي (ت 414/1023م، عن23سنة)، «كان – على حَدَاثَةِ سِنِّه - ذكِيًّا، يَقِظًا، لَسِنًا، حَسَنَ الكلام، جَيِّدَ القريحَة، مَليحَ البَلاغة، يَتَصَرَّفُ فيما يَشاءُ من الخطابة، بديهة وروية»
Art-and-Literature
كما أن أبا الربيع الكلاعي كان من بيْن حُلاَهُ صِفَةُ «الخطيب»، وخصوصًا في المناخ المُحْتَدِم المَشْحُون، الشبيه بما كان يَكْتَنِف منذر بن سعيد، حيث «كان هو المُتَكَلِّمُ عن الملوك في مَجالسهم، والمُبِينُ عنهم لمَا يُريدُونَه في المَحافِل على المِنْبَر، وليَّ الخِطابة ببلنسية»
Art-and-Literature
أبت المبادهة في الأدب الأندلسي إلا أن تكون طابَعًا مُتَحَكِّمًا في ذِهْنِية القوْم، باعتبارها مَظهَرًا من مَظاهر المفاضلات المتجذرة في نفوسهم النزَّاعة إلى الأفضل، وهكذا طاولت هذه الظاهرة كتاباتِ المُتَرَسِّلِينَ، كما تغلغلتْ في قصائد الشعراء، وخُطَب الخطباء، بحسب ما مرّ بنا آنفًا
Art-and-Literature
هذا مع أن الترسل - في نظري - يحتاج من الترَوِّي إلى ما لا يحتاج إليه الشعر والخِطابة، لأن حُمُولته الفكرية وضوابطه الإدارية ومراسيمه المتبعة وتقنياته الفنية المُقعَّدَة، كلها مُثّبِّطات تُبْطِئ بالقلم، وتُثْقِل الخاطر، بما تقتضيه من تَحَيُّل وتفكير
Art-and-Literature
هنا ينطرح السؤال المْشروع عن مَصْدَر هذه البلاغة ومَأتَاها، صارخًا بالبليغ: «من أين لك هذا؟»، وكأن أبا إسحاق البونسي اسْتشْعَر هذا السؤال المُلِح، فاعْتبر البلاغة «كنز الكتَّاب» الذي عليه مَدَار مُؤَلَّفِه، وبما أن «الكنز» «مضْنون به على غيْر أهْلِه»، فقد اعْتبرَها سِرًّا روحانيًّا، يتأبَّى على الإدْراك بالوسائل الحِسّ...
Art-and-Literature
إن هذا السرَّ الذي – بحَسَبِه - تَتفَاضَل القرائح، في حَلَبَات مَيادين الفصاحة والبلاغة، ما هو إلا هِبَة رَبَّانِيَّة، فـ «قدْ بَايَنَ الله - سبحانه - بيْنَ الخواطِر، كمَا بَايَنَ بيْنَ البَصائِر، فجَبَلَ بعْضَها على الفَهْم والبَيَان، فظهَرَ فيه واسَتبَان، وجَبَلَ بعْضَها على الجَهْل والعَيِّ، فمَا تَعْرِفُ الرُّشدَ م...
Art-and-Literature
إذا انتقلنا من هذه التوطئة النظرية إلى النماذج الشاهدة، على اعتماد الأندلسيين للمبادهة محِكًّا للتفاضُل، ومَعْرضًا للتفاخُر بالمواهب، فإننا سنجد أَن دَعْوَى الارتجال في الترسل قليلة مقارنةً بالشعر مثلًا، نظرًا إلى ما يكتنف هذا النوع الكتابي من مصاعب أشرنا إليها قبل قليل
Art-and-Literature
كما أن المستظهر عبد الرحمن بن هشام الأموي (ت 414هـ/1023م) قبل هؤلاء «كان - على حَدَاثة سِنِّه - ذكِيًّا يَقِظًا لَسِنًا حَسَنَ الكلام، جَيِّدَ القريحة مَلِيحَ البَلاغة، يَتَصَرَّفُ فيما شاءَهُ من الخِطابَة بديهة وروية، ويصوغ قِطَعًا من الشعْر مُسْتجادَة، وقد اقْتَضَبَ بحضْرَةِ الوُزَراء في أيامِه عدة رسائل وتوقيعات، لم...
Art-and-Literature
يؤكد ذلك قول أبي عامر بن شهيد إنه «كان يُتَّهَمُ في أشْعاره ورسائله، حتى كتب أمَانَ يعْلى بن أبي زيد حين - وفَدَ عليْه - ارْتجالًا، فعَجبَ أهْلُ التَّمْييز منه، وأمَّا أنا فكنْتُ بَلوْتُه، وكان وُرُودُ يَعْلَى فَجْأةً، ولمْ يَبْرَحْ منْ مَجْلسه حتى ارْتَجَلَ الأمَانَ، وأنا - والله - أخافُ أنْ يَزِلَّ، فأجَادَ وَزَاد»
Art-and-Literature
يبدو أنْ ليس هذا هو الأمير الأندلسي الوحيد القادر علَى ارتجال رسائله وتوقيعاته، فأبو المطرف بن الدباغ يروي أنه رأى المُتَوَكِّل بن الأفطس يوقّع على ظهْر كتاب ورَدَهُ منْ ابنه العباس، دَخَلَ فِيهِ «دُونَ عنْوَانٍ، ولا دُعَاء، ولا سَلام، وأنا أتَعَجَّبُ من كَتْبِه تلك الفِقَرَ معَ فرْط الضَّجَر: قبُولي لتَنَصُّلِكَ منْ ذ...
Art-and-Literature
لعل مُكاتبة ابْنَيْ حَزْم: أبي محمد وأبي المغيرة، تعتبرُ - في نظري - أدْخَل في المبادهات، لأن أبا محمد ما رُؤِي «أسْرَع بديهة منه»، ومع ذلك فإن ابن عمه أبا المغيرة يبادهه في المراسلة هكذا: «ومَنْ لَكَ بأنْ نَصْبِرَ عليْكَ، ونَتَأنَّى بكَ، وهذا الجَوابُ - كما ترَاهُ - ابْن الوَقْت، ونَتِيجة الساعة، ونَفْثَة مَنْ لا يَخْ...
Art-and-Literature
هذه مبالغة كبيرة من أبي المغيرة، والعجب أن ابن حيان القرطبي يحكم له بالسبق على ابن عمه أبي محمد بن حزم، حيث يقول إنه «جَرَتْ بينهما هِنَاتٌ ظهَرَ عليه فيها أبو المغيرة، وبَكَّتَه، حتى أسْكَتَه، لأنه كان أنْبَه من أبي محمد في حُضور شاهِدِه، وذكاءِ خاطره»
Art-and-Literature
هذا أبو عبد الله محمد بن مسلم الداني، سمع بوفاة أحد سادة الأندلس، وهو على جناح سفر، فارتجل رسالة، متحدثًا عن ملابساتها، قائلاً: «فلزمَنِي الكِتَابُ إليه، فكتبتُ ورِجْلي في غَرْز الواثِبِ، وهنا قِيلَ سقط الراكب، فإنْ كانت سَقْطة في كلامي، أوْ عَثْرَة من أقلامي، فإنما أوْجَبَتْها حَفْحَفَةُ السَّيْر، ومُسَابَقةُ السَّيْل...
Art-and-Literature
الحقيقة أن هذه الشذرات - في أغلبها - مجرد دعاوى للارتجال، تنْدَسّ خلال كلام أصحابها، أو المعلِّقين عليه، كما أن حوافزها للارتجال ليست بتلك الدرجة من الخطورة، ولكن البديهة الحقة، المتأتية في أحرج المواقف، وأصعبها تسويغًا، وأخطرها مغامرة، وأرهبها مقامًا، هي رسالة أبي محمد عبد الله بن الفقيه أبي عمر بن عبد البر ...
Art-and-Literature
يا شامتين، ما لي أراكم ساكتين؟ اخرجوا عني، فقام كلٌّ يجرُّ ساقيه
Art-and-Literature
هنا يجب أن نستحضر أن المعتضد كان من أقسى ملوك الأندلس، حتى أنه كانت له خزينة يعتبرها أفضل كنوزه، ليس فيها إلا رؤوس أكابر أعدائه ومنافسيه، من قادة الأندلس، حيث جعل «بباب قصره حديقة تُطْلِعُ كلَّ وقْتٍ ثَمَرًا من رُؤوسهم
Art-and-Literature
جلاءُ العيْن مُبْهِجَةُ النفوس
Art-and-Literature
حَدائقُ أطلَعَتْ ثَمَرَ الرُّؤوسِ»
Art-and-Literature
فكيف يَتَأتَّى لكاتبٍ - مهما كانت رباطة جَأشه، وغَزارة بديهته، واستجماع فِكْره - أن يبدع تسويغًا مقْنعًا لهذه المعضلة، أمام هذا الجبَّار الرهيب الذي لم يسْتطع وزراؤه - وهم نخبة الأدباء والشعراء يومئذ - أن يجدوا كلمة واحدة يقولونها في هذا المقام، غير السلام، بِريقٍ ناشف، ورَهَب ملحوظ
Art-and-Literature
كان أبو محمد بن عبد البر هو وحده من اتجه إليه اختيار المعتضد، من بين كُتَّابه ووزرائه، لمعرفته أنْ ليس لها غيره، حيث يُصَوِّر لنا شاهدُ عيان من وزراء المعتضد ما كان لحظة إرجاعه لهم، بعد طرده إياهم من مجلسه، قائلًا بانبهار شديد: «ثم خرجَ أمرُه بأنْ يحْضرَ الكاتبُ ابن عبد البر، فدخل، ومجلسه قد احْتفل، فقال له: اكتبْ إلى ...
Art-and-Literature
قال المحدِّثُ: فسوَّى الجِلْدَ، وجعلَ يَسْتَمِدُّ ويَكْتُبُ، وعينُ المعتضد فيه تصعّدُ وتصوّب، فلما فرَغ منه أسْمَعَه ذلك إلى آخره
Art-and-Literature
فمثل هذا المقام الحافل الرهيب المهيب، هو الفيصل الحاسم في قدرات المبدعين المُتبادِهين، بحسب ما أشار إليه ابن شهيد وابن أبي الخصال آنفًا، ولا سيما في موضوع دقيق وخطِر مثل هذا
Art-and-Literature
هنا لا بأس في أن نقتبس وَمَضَات من هذه الرسالة العجيبة، لنبرهن على أن الرَّهّبُوت التي اكتنفت جو هذه المبادهة الصعبة لم تؤثر في مستوى أسلوبها، لا من حيث إشراق البيان ومُراعاة الإحسان، باتِّباع الأسْجاع وفق تقاليد الزَّمان، ولا من حيث تماسك البناء، ولا من حيث منطقية الحِجَاج، وتهويل موجب المراسلة، حيث يقول إنه «طرأتْ عل...
Art-and-Literature
ثم يدخل - بعد تهويل الداهية الطارئة، والطمْأنة بالنجاة منها - في شرْح مُبْهَمِها، وتفصيل مُجْمَلِها، قائلاً: «وشرْحُ ذلك - أيَّدَكَ الله - أنَّ الغبي العاق، اللعين المُشَاق، إسماعيل ابني بالوِلاد، لا بالوِدَاد، ونجْلي بالمَناسِب، لا بالمَذاهِب، كنتُ قد مِلْتُ بهواي إليه، وقدَّمْتُه على من هو أسّنُّ منه، 'وحُبُّك الشيْء...
Art-and-Literature
نرى هنا كيف يوفَّق هذا الكاتب العبقري، في مبادهته الصعبة هذه، بذكاء عجيب، بين انتماء الابن للأب نسبًا، حتى لا يطعن في عِرْضِه، وانتفائه منه مَذْهَبًا، حتى لا يُشَاركَه في سُوء فِعْله، ثم كيف يلوم نفسه على إيثاره إيَّاه، ويلتمس لذلك - في الوقت ذاته - أعْذارًا، حتى لا يحْكمَ على المعتضد بسوء التقدير، وعَمَى البَصيرة، مُر...
Art-and-Literature
بعد هذه المُحَاجَّة المنطقية، المُؤَصَّلَة نفْسيًّا وشرْعيًّا وتاريخيًّا، يبْدأ في سرْد محاولات الابن المتكررة، للخروج على المعتضد، بل محاولة اغتياله، وهَتْك حَرَمِه، بالتسَلُّلِ - بأوْباش الناس - إلى قصْره، وكيف أن الله حماه في كلِّ محَاولة، وأفْشَلَ سَعْيَ الابْن العاصي، حتى أمْكَنَ منه وجميع من معه، وطبّقَ عليهم حدّ...
Art-and-Literature
نظرًا إلى أن الحُكَّام شديدو التَّطَيُّر من زوَال الحُكْم، وحتى زَعْزَعَتِه على الأقَل، فإن الرسالة رَاعَتْ - في الختام - هذا المَنْزَعَ اللطيف، حيث يقول - داعيًا الله للمُخاطَب أنْ يُجَنَّبَه مثل هذا الحَدَث: «نَفَثْتُ
Art-and-Literature
إذا كان ابن بسام يؤكد أن المعتضد «خاطب - يومئذ - جماعة من حلفائه، وقصَّ عليهم نَبَأه مع ابنه»، فإننا لا نستبعد أن يكون قد عَمَّمَ عليهم هذه الرسالة ذاتها، ولا شك في أن كُتَّابهم وَجَدُوا –على عبْقريتهم - صعوبة كبيرة في مسايرة مستواها، على الرغم من ارتجالها، إضافة إلى أنهم في مَقام الرَّدِّ، وهو أسهل من الإنشاء، وليسوا ...
Art-and-Literature
لم يقف الأمر عند هذه الردود الواقعية، بل تعدَّاه إلى ردود افْتراضية، لم تنشأ بتكليف سلطان، وإنما جاءت على وجه المعارضة والمُفاضلة في البيان، حيث كانت هذه الرسالة البديعة المُرْتَجَلة بمنزلة زلزال أحدث ضربات ارتدادية، في أرْضية الكتابة الأندلسية، حيث يقول ابن بسام إنه «لما أنشأ أبو محمد رسالته المتقدمة، تناغَتْ لمَّةٌ م...
Art-and-Literature
أما قوله: «على زعْمِه» تشكيك من ابن بسام في صحة هذا الزعم، ولكننا نقول: إن هؤلاء، حتى لو تفوَّقوا على ابن عبد البر، فهل يشرّفهم أن تكونَ رَوِيَّتهم منافسة لـبديهته، مع اختلاف الأوضاع المحيطة، كما أسلفنا؟
Art-and-Literature
الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من قراءة ظاهرة المُبادهات في الأدب الأندلسي، هي أنها نتيجة تفاعل عبقريات المكان والإنسان والزمان، فإذا كان ابن قتيبة اعتبر جَمَال المكان من محَفِّزات الإبداع، وقال إن «شاردَ المَعْنَى لمْ يَسْتَدْعَ، بمثل الماء الجاري، والشرَف العَالي، والمَكان الخَضِر الخالي«، فإن مُحَرِّضات الإبداع هذه ل...
Art-and-Literature
هُنالِكَ بيْنَ الغُصْن والقَطْر والصَّبَا
Art-and-Literature
وزَهْرُ الرُّبَى ولَّدْتُ آدَابِي الغرَّا
Art-and-Literature
إذا نَظَمَ الغُصْنُ الحَيَا قالَ خَاطِري:
Art-and-Literature
تَعَلَّمْ نِظَامَ النَّثْر من ها هُنا شِعْرا
Art-and-Literature
وإنْ نَثَرَتْ ريحُ الصَّبَا زَهَرَ الرُّبَى
Art-and-Literature
تَعَلَّمْتُ حَلَّ الشِّعْرِ أسْبكُهُ نَثْرا
Art-and-Literature
فَوَائد أسْحَارٍ هُناكَ اقْتَبَسْتُها
Art-and-Literature
ولمْ أرَ رَوْضًا غيْره يُقْرِئُ السِّحْرا
Art-and-Literature
كأنَّ عزيزَ الرِّيح يَمْدحُ رَوْضَها
Art-and-Literature
فَيَمْلأُ فَاهُ من أزاهِرِه دُرّا
Art-and-Literature
كذلك نَجِدُ صديقَه ابنَ مرج الكحل يُؤَكِّدُ الرُّؤْيَةَ ذاتها، حين يقول:
Art-and-Literature
نَهْرٌ يَهِيمُ بحُسْنِه مَن ْلَمْ يهِمْ
Art-and-Literature
ويجيدُ فيه الشعرَ مَنْ لمْ يَشْعُرِ
Art-and-Literature
ما اصْفَرّ وجهُ الشَّمْس عنْد غُروبها
Art-and-Literature
إلا لفرْقةِ حُسْنِ ذاكَ المَنْظَرِ
Art-and-Literature
له بيت آخر في هذا المنحى، من هذه القصيدة، أو من أخرى على نسقها:
Art-and-Literature
كمْ قادَ خاطِرَ شَاعِرٍ مُسْتَوْفِزٍ
Art-and-Literature
وكم اسْتَفَزَّ جَمَالُه منْ مُبْصِرِ
Art-and-Literature
ليس ابن مرج الكحل وحده من يستثيره النهر شِعْريًّا، فأبو المطرف بن عُميرة المخزومي (ت 658هـ/1260م) يصف نهر «شقر»، قائلًا:
Art-and-Literature
يا نهْرَ شُقْرٍ فيكَ أدْركْتُ المُنَى
Art-and-Literature
فلأنْتَ - منْ نهْرٍ إليَّ - مُحَبَّبُ
Art-and-Literature
يهْنيكَ - إذْ حُزْتَ المَحاسِنَ كُلَّهَا -
Art-and-Literature
أنَّي سَأشْعرُ في حُلاَكَ وأخْطبُ
Art-and-Literature
أمّا حضور هذه الظاهرة عند الإنسان الأندلسي بهذه الكثافة والتوَهُّج، فهو - بالتفاعُلِ مع عبقرية المكان - راجع إلى خصوصية الإنسان المسكون بـمُوَرّثات العرب المعروفين بـالارتجال، ميزةً عن باقي الأمَم، كما رأينا عند الجاحظ والقاضي عياض، في صدر المبحث الأول من هذا الفصل
Art-and-Literature
لا عبرة هنا بتخْصيص قرْطبة، لأن «العِبْرةَ بعُمُوم اللفْظ، لا بخُصوص السَّبَب»، كما يقول الأصوليون، ومِصْدَاقُ ذلك أنه يُسْبِغُ الحُكْم ذاته على إشبيلية: «فهذا الأفقُ نَزَلَ به، جُنْدُ حِمْص من المَشْرق، فسُمِّيَتْ «حمْص»، فصارتْ مَجْمَعًا لصَوْب العقول، وذوْب العُلوم، ومَيْدانَ فرْسان المنثور والمنظوم»
Art-and-Literature
هكذا أنتج تفاعل الإنسان والمكان عَجِينَةً بَشَرِيةً تتنفَّس شعرًا، حتى اسْتنتجَ إميليو غرسيه غومث أن «أهْل الأندلس كلهم شعراء، وحتى الأمِّيُون منهم، مثل ابن جاخ البطليوسي الذي ولاَّه المعتضد بن عبَّاد رئاسة ديوان الشعراء»، وحتى أن شَلب مثلًا - على بساطة شأنها - كان يُبْدِعُ الشِّعْر كلُّ من تنفَّس هواءها، وشربَ ماءها، ...
Art-and-Literature
على هذا المنحى، يردُّ أبوعبد الله الرُّصافي على معاصره أحمد بن عبد الله بن حربون الشِّلْبي، مؤكِّدًا تَأَصُّل ظاهرة الارتجال في أبْناء هذا الصقع، وحتَّى الأمِّي منهم، فيقول:
Art-and-Literature
وأرْض شِلْبٍ وما شِلْبٌ وإنْ وَلَدَتْ
Art-and-Literature
غِمَارَ نَاسٍ فنَاسٌ غيرُ أغْمَارِ
Art-and-Literature
عُرْفُ التَّحَاور من تِلْقاءِ ألْسُنِهمْ
Art-and-Literature
كأنَّما نَشَأوا في غيْر أمْصارِ
Art-and-Literature
يلْقُونَ بالقوْل مَوْزُونًا ومَا قَصَدُوا
Art-and-Literature
كأنَّ ذلك فيهمْ دون إضْمَارِ
Art-and-Literature
ظل تقديس الارتجال متجذرًا في الأندلس، حتى في نفوس المستعربين من مسيحيي الإسبان، وكأنه سر من أسرار الحرف العربي، يختزنه كما تختزنه «الجينات» المترحِّلة، عبر دوْرات الدماء المتفاعلة، في مصْهر الحضارة في الأندلس، إذ اعتمد ابن رشيق المرسي ارتجال ثالثٍ لبيتيْ الحريري، جوابًا أخرس القس الذي تحَدَّاهُ بذلك، زاعِمًا أن بيتيْ ا...
Art-and-Literature
لعل أعمق تفسير أندلسي بشأن استكناه ظاهرة الارتجال، متلمسًا دوافعها وتجلياتها ونظائرها، هو تفسير ابن خيرة المواعيني، إذ يقول: «وقد يكونُ الكلامُ المُرْتَجَلُ، وفيض البديهة - في بعض المَوَاطن، وفي كثير من الأماكن - أشدَّ من تَطاوُل المُدَاوِلِ، والمُثَقِّفِ المُرَوِّي المُتَكَلِّفِ، فإنْ كانَ اجْتماعُ المُحَبِّر للبَدَاه...
Art-and-Literature
بعد هذا التشخيص الدقيق السابق لأوانه، في اسْتجلاءِ الأبعاد النفسية في عملية الارتجال، وتَجَلِّيات لحْظتها المتوهِّجة، من خلال تكثيف الطاقات الذهنية بانْحشاد الدوافع والمحفِّزات، يبدأ برصْف أشباهها ونظائرها، رابطًا إياها - ربما لأول مرة - بمجموعة من الظواهر النفسية الخارقة للعادة في طاقتها، تأثيرًا وكشفًا، وذلك مثل الحد...
Art-and-Literature
من هذا ترى إجابةَ دَعْوة المَظلوم، التي ليس بيَنَها وبيْن الله حِجَاب، لاحْتِراق نفْسِه، واجْتِمَاعُ أجْزائِه»
Art-and-Literature
يخلص بعد هذه المقاربة النفسية العجيبة إلى أن اجتماع النفس وقوة الترْكيز الذهني هو الخيط الناظم بين هذه الظواهر كلِّها، مضيفًا إليها العمى، حيث «فاقَ كثيرٌ من العمْيان أوُلِي الأبْصار في الذَّكَاءِ، باجْتِماع النَّورَيْن، وأنتَ ترَى أنَّ الإنسان - إذا أرادَ أنْ يفرغَ فكْره - كيف يُغْمِضُ عيْنَيْه، لئلا تَشْغَلُه مَرَائي...
Art-and-Literature
يقوم هذا الفصل على البُعد الرمزي للمفاضلات في الأدب الأندلسي، وهو بُعد حامَ حوله – كما سنرى - بعض الدارسين، إلا أنهم لم يُوفوه حقَّه، إذ مَرُّوا به عابرين، مرسِلين ملاحظات سريعة، كالومضات الخاطفة، على الرغم من أنه جدير بوَقفة متأنية تكثّف تلك الوَمَضَاتِ، وتعيد بناء الملاحظات، وتغوص أكثر في أعماق النصوص، جامعةً منها - ...
Art-and-Literature
إذا كان المواعيني برؤيته ارْتَقى إلى مدارج التصوّف، فإن لكلِّ باحث أن يتقمَّص هذه الأجواء في علاقته بالنصوص تذوقًا ودراسة، لأن الكلام هنا فيه عموم، على الرغم من خصوصية نفحته الصوفية
Art-and-Literature
غير بعيد عن هذا الأفق، يتحَفظ ابن خاتمة في الطعْن على ابن عربي الحاتمي، لأنه «قد تكلَّمَ من وراء حِجاب، وتحَصَّنَ من الرَّمْز، بسند منيع الحرز
Art-and-Literature
هذه سِمَة الأدب في عمومه، وهذا هو منزع الأدباء الذين يفضِّلون البوح من وراء حجاب، إذ يقول أبو عبد الله بن الحدَّاد (ت 480هـ/1087م):
Art-and-Literature
ولِي أمَلٌ إنْ يُسْعِد السَّعْدُ نِلْتُه
Art-and-Literature
ويُفْهَمُ سِرُّ النَّفْسِ منْ رَمَزَاتِها
Art-and-Literature
سنشتغل هنا على محاولة فهْم النفس الأندلسية من خلال رَمَزَاتِها المتعددة والمتنوعة المرامي، محاولين كشف براقع الرمز وفك طلاسم الحرز، حيث سنرى في لعبة الألوان ظلال الإثنيات العرقية، وفي منافسة الأدوات صراع الطبقات الاجتماعية، وفي الزهور المتحاورة أقنعة لزعماء الطوائف السياسية في الأندلس، وفي مفاضلة النخلة والكرمة جدلًا ل...
Art-and-Literature
هنا ندشن خلفيات المفاضلات الرمزية، باعتماد المفاضلة بين الألوان البشرية على خلفية عرقية، مؤرخة للحظة تفاعل الجنسيات في« بَنْكِ الدماء» الأندلسي، وانعكاس ذلك التفاعل الجيني على الذوق الجمالي، وسُلَّم أفضلياته، حيث كان الذوق العربي يفضّل الشَّعر الأسود والعينْ الكحْلاء والشفَة اللمْياء، بينما الذوق الإسباني كان يفضّل الش...
Art-and-Literature
كـــأنَّ مُبْيَضَّــهُ صَـقـالِـبَــةٌ
Art-and-Literature
صاروا مَجُوسًا فاسْتقبلوا النارا
Art-and-Literature
على هذا المنحى درج «المنفتل»: أبو أحمد عبد العزيز بن خيرة القرطبي (القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي)، واصفًا جدل الليل والصبح:
Art-and-Literature
كأنَّ ليْلتَنَا والصبْحُ يَتْبَعُها
Art-and-Literature
زنْجِيَّةٌ هَربَتْ قُدَّامَ رُومِي
Art-and-Literature
في السياق ذاته يقول أحد معاصري ابن بسام:
Art-and-Literature
بِي شادِنٌ خَدُّه كالصُّبْح مُنْبَلِجٌ
Art-and-Literature
وصدْغُه كَسَوادِ الليْلِ يلْعَبُ بِي
Art-and-Literature
كالزّنْجِ حَلَّتْ بأرْضِ العُرْب فاصْطَلَحَتْ
Art-and-Literature
فمَا بَقائِي بيْنَ الزنْج والعَرَبِ؟
Art-and-Literature
بما أن الوئام لم يكن بين هذه العناصر سرمديًا، فقد استَغل الشعراء الوجه الآخر لتفاعل عناصر الأعراق داخل الأندلس، مستلهمين رمزية الألوان في هذا المقام، حيث يقول أبو جعفر ابن جرج، أحد أدباء ووزراء عصر الطوائف، في السياق ذاته:
Art-and-Literature
بيضٌ مَناظرُها سُودٌ غدائرُها
Art-and-Literature
كما تَلاَقَى جُيوشُ الرُّوم والحَبَشِ
Art-and-Literature
هذا يتصادى مع قول الأعمى التطيلي الصغير إبراهيم بن محمد (القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي)، منوِّعًا أحد لونَيْ صورته من سواد الحبش، إلى سُمْرة العرب، انسجامًا مع لونيْ السلاحيْن الموصوفيْن، ودلالة الصفتين المشبَّهتين:
Art-and-Literature
حوَى جُرْأةَ الأعْراب منْ سُمْرة القَنَا
Art-and-Literature