Datasets:

text
stringlengths
1
2.38k
en_topic
stringclasses
10 values
فصرتُ من رَيْبِ هذا الدَّهْر في حَرَمِ
Art-and-Literature
ليستْ لأخْرى فلا ربْعٌ بها وجبا
Art-and-Literature
رهط وأخفرَ ما للمَجْد منْ ذِمَمِ
Art-and-Literature
وأنكرَتْنِي مَغانيها وما عُرِفَتْ
Art-and-Literature
إلا بقوْمي في أيَّامِنَا القدمِ
Art-and-Literature
لولا المُغَرَّبُ من آل النَّبِيِّ بها
Art-and-Literature
وهنَّ ما بين من طيبٍ ومنْ كَرِمِ
Art-and-Literature
وفِتْيَةٍ من بني الزهْراء قدْ كرُموا
Art-and-Literature
لهمْ أواصِرُ منْ وُدٍّ ومنْ رَحِم
Art-and-Literature
لقلتُ: لا جَادَها صوْبُ الحَيَا أبَدًا
Art-and-Literature
إلا بِنَاقِعِ سُمٍّ أوْ عَبِيطِ دَمِ
Art-and-Literature
ليسفحنَّ عليْها الدمع منْ جَزَعٍ
Art-and-Literature
يومًا ولا أقْرَعَنَّ السِّنَّ منْ نَدَمِ
Art-and-Literature
ما ضَرَّنِي أنْ نَبَا بِي أوْ نَبَا وَطَنِي
Art-and-Literature
منها ولي شَرَفُ البَطْحاءِ والحَرَمِ
Art-and-Literature
من العجيب – في هذا الصدد - أن محمد الحجوي - وهو متخصص بالسبتي - قدّم قراءةً لهذا النص، تخالف - تمامًا - مَنْطوقه ومَفهومَه، حيث جَعَله في الحنين إلى وطنه، والتبَرُّمِ من غرناطة التي يضيق بالغربة المُمِضَّةِ فيها، حتى ليَدْعُو عليْها بمَطَرِ السَّوءِ من ناقعِ السُّمِّ وعَبيطِ الدَّم، بدلَ السُقْيَا بماءٍ غدقٍ نافع غير ض...
Art-and-Literature
حرصتُ على أن أوُرد النص بكامله، ومن حيث أخذه الحجوى أيضًا، ليكون القارئ على بصيرة من أن هذه القصيدة تتضمن كل الرضى عن الوطن الأندلسي الجديد، وتصبُّ جامَ غضبها ولعناتها على الوطن المغربي القديم، فهو بعْدَ حديثه المُحْتَفِي بالأندلس التي أرحبت له كنفًا من المَجْدِ والعُلى، وغرناطة التي بَوَّأتْهُ في حرم آمن، يَنْصَرِفُ إ...
Art-and-Literature
هنا لا بد من أن أشير إلى أن احتفاء الأندلس بعلماء بر العدوة مشروط ببراعة هؤلاء فحسب، وقدرتهم على فرض أنفسهم في معترك المنافسة العلمية التي لا يصمد في حلباتها إلا المبرّزون، أمثال أبي القاسم الشريف السبتي الغرناطي الذي انبهر بمهجره الأندلسي الحافل، حتى قذف بني جلدته بشواظ لعناته، من وراء العُدْوَة الأخرى، لسبب بسيط هو ...
Art-and-Literature
قبل هذا السبتي ضجت الأندلس إجلالًا لعظمة سَبْتِيٍّ آخر، هو القاضي عياض الذي يقول عنه أحمد بن خاتمة الأنصاري: إنه «كان – بالجملة - جمال العصر، ومفخر الأفق، وينبوغ المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عُدَّتْ رجالاتُ المغرب - فضلًا عن الأندلس - بحسب منهم صدرًا»
Art-and-Literature
يعلق المقري على هذا الاعتراف الجميل بقوله: «إنما يَعَرِفُ الفَضْلَ، لأهْلِ الفَضْلِ، أهْلُ الفَضْلِ»
Art-and-Literature
هذا ينفي ظنة الحسد القبيح عن الأندلس، ووصمة الروح الإقصائية، حيث قال أبو الحسن بن السراج للقاضي عياض «وقد أراد الرحلة إلى بعض الأشياخ: لهو أحوج إليك، منك إليه»، وإذا كان القاضي أبو عبد الله بن حمدين يقول له «وقت رحلته إليه: وحقي يا أبا الفضل إن كنت قد تركت في المغرب مثلك؟»، فإن أبا محمد بن أبي جعفر لا ينفي أن يكون القا...
Art-and-Literature
على الرغم من ذلك كله، لم يخل انبهار الأندلسيين بعبقرية هذا العالِم الأجل من لَمْزٍ لسبتة مسقط رأسه، إذ يروي أبو البركات ابن الحاج البلفيقي (ت 774/1372م) أنه «لما قدم أبو الفضل عياض على قرطبة، ولقي القاضي أبا الوليد بن رشد، ورأى نبله، وفضل ذكائه، قال: عجبًا لرجل ينشأ في البلاد البحرية، على أكل السمك، من أين يكون له هذا ...
Art-and-Literature
لعل هذا ما جعلهم يثبتون له أصلًا أندلسيًا، على لسان حفيده، إذ يقول النباهي عنه: إن «أبا الفضل عياض سكن بمالقة مدة، وتمول بها أملاكًا، وأصله من مدينة بسطة، ذكره حفيده في الجزء الذي صنفه في التعريف به
Art-and-Literature
مهما يكن، فإن ازدواجية انتمائه بين العدوتين معترف بها، فقد عدّه ابن خاتمة صدرًا في علماء وأعلام المغرب والأندلس معًا، كما أنه هو نفسه حقق ذلك، حين «ألَّفَ كتابَ جامع التاريخ، فأرْبَى على جميع المؤلفات، فيه أخبار الملوك بالأندلس والمغرب
Art-and-Literature
المهم أن القاضي عياض كان عندما يفارق الأندلس، ممثَّلة في قرطبة، إلى وطنه، يفارقها «موجع القلب باكيًا» على الرغم من تنازع هويته بين العدوتين:
Art-and-Literature
رَعَى اللهُ جيرانًا بقرْطبةَ العُلا
Art-and-Literature
وسَقى رُبَاهَا بالعُهود السواكبِ
Art-and-Literature
وحيّا زمانًا بينهمْ قد ألِفْتُه
Art-and-Literature
طليقَ المُحَيَّا مُسْتَلاَنَ الجوانبِ
Art-and-Literature
أإخْواننا بالله فيها تَذَكَّرُوا
Art-and-Literature
مَعاهدَ دَارٍ أوْ مَوَدَّةَ صَاحِبِ
Art-and-Literature
أخيرًا ينتهي بنا المطاف إلى «طرفة الظريف في أهل الجزيرة وطريف»، وهي لا تمثّل – في نظري - نصًا مفاضلاتيًا، لأنها لا تُقيمُ مُوازنةً بيْن العُدْوَتَيْن، بقدر ما تتمَحَّضُ لهجاء مدينتي الجزيرة الخضراء وطريف، ومن ثم الأندلس عامة، في غياب أي حديث عن المغرب، فقد ارتكزتْ أساسًا على وصف الجزيرة الخضراء:
Art-and-Literature
- بالبخل، بناء على انطباع منشأه الأصلي - إنْ صح - تفرد كل واحد من ركّاب قارب عابر بوجبة غذائه، ثم توطَّد هذا الحكم المزعوم بكون أهل الجزيرة نفسها يبيعون الماء والنار لكل غريب يستسقي أو يقتبس، وحتى لو كان غازيًا في سبيل الله، ومن هنا يستخلص أنهم قرية الجدار التي أبتْ أنْ تضيف مُوسَى والخضر عليهما السلام
Art-and-Literature
- السخرية من الانتماء العربي للأندلسيين من خلال مقارنة الماضي بالحاضر، إذ خَلَفَ من بَعْدِ السَّلَفِ العَرَبِيِّ الصالح خَلْفٌ أضاعوا العروبة، وتركوها انتماء أجْوَفَ لهذه القبيلة أو تلك
Art-and-Literature
- تغيُّر اللسان العربي، وسريان العُجْمَة فيه، من خلال ظواهر صوتية، مثل المبالغة في الإمالة، التي تحول الناس إلى النيس، والخناس إلى الخنيس، والحمام إلى الحميم، والمال إلى الميل، وكأنَّ صيغة «فعيل» هيمنت على كل الصيغ الصرفية
Art-and-Literature
- تبَدُّل الأحوال والأزياء والتأثر بالنصارى مظهرًا وسلوكًا
Art-and-Literature
هذه الموضوعات الأربعة متداخلة أكثر منها متمايزة، من خلال تناولها المنهجي في المقامة، إلا أنها – في مجملها - يمكن أن تختزل في الطعن في مكونات الهوية العربية للأندلس
Art-and-Literature
هذا ما يجعل «طرفة الظريف» - في تصوري - أدخل في المفاضلات العرقية منها في المفاضلات المكانية، ولذلك فإن لنا عودة إليها ضمن الفصل المعنون بالإنسان
Art-and-Literature
لكن ما دام الدكتور محمد بن شريفة أول - وربما آخر - من تناول هذه المقامة تقديمًا وتحقيقا، فإنني استسمح مكانته العلمية الكبيرة في أن يلاحظ الطالب على الأستاذ بعض التماهي مع الكاتب في الأوصاف السلبية التي وصَمَ بها المدينتين، مع أنها لم تكن مسَلَّمَة في الأغلب، ولا خالية من التجنِّي الذي قلّما يسلم منه هذا النوع من الكتاب...
Art-and-Literature
أمّا طريف، فقد زج بها كاتب «الطرفة» في العنوان، ربما لضرورة السجع أساسًا، ثم تجاوزها– عابرًا - إلى الجزيرة الخضراء، نافيًا عنها وصف الخضرة، على الرغم ممّا عرفتْ به من كثرة بساتينها ومنتزهاتها، ونافيًا الطرافة عن طريف، مع أنه ناقض نفسه، من حيث يدري أو لا يدري، إذ اعترف لها - في السطور الأولى من النص - بهذه الطرافة المنف...
Art-and-Literature
هذه الشهادة الإيجابية ينساها الكاتب ويغفلها ابن شريفة، معتبرًا أن صاحب المقامة لم تستحق منه طريف إلا «سجعات معدودة، كلها دعاء عليها، وهجاء لها، ولقصبتها الحقيرة ورائحتها الكريهة»
Art-and-Literature
مستفرغًا جهده في جلب الشواهد، من أقوال المؤرخين والرحالة، المؤكدة لحقارة قصبتها، ونتْنِ رائحتها، من دون أن يتطرق في المتن ولا في الهوامش، هو ولا كاتب المقامة، إلى أن أهم ما حَلّى به ابنُ سعيد جزيرة طريف هو أن «أهلها من كرام الناس، وأحسنهم إقبالًا على الغريب»
Art-and-Literature
ما دام هذا الوصف منافيًا تمامًا لجوهر المقامة وهدفها المنصبّ على هجاء الجزيرتين - والأندلس عمومًا - بالبخل وسوء الضيافة والتجهم للغريب، فربما كان ذلك – بالضبط - هو ما جعل صاحب «الطرفة» ودارسها يتغاضيان عن هذا المعطى الذي لا شك أنه وسعه علمهما، ولكنهما تجاوزا الحديث عن طريف الكريمة، الحسنة الاستقبال للضيوف والغرباء، إلى...
Art-and-Literature
إن المقام لا يتسع هنا لأكثر من هذه الإلماعات السريعة، الألصق بجوهر المفاضلة المكانية بين العدوتين
Art-and-Literature
مهما يكن، يبقى هذا النص - في مجمله - تعبيرًا عن حالة سَأمِ مُرافِقِي السلطان، من طول مقامه بـالجزيرة الخضراء، وهو مقام لا يمكن أن يفسَّر إلا بأهميتها القصوى، أو جاذبيتها السياحية التي استقطبت الملك المريني، حتى خاف مرافقوه أن يستوطنها، فلا يعود إلى كرسي ملكه، وفي ذلك ترجيح تفضيلي بين العدوتين، أو بين أهم عواصم المغرب، ...
Art-and-Literature
هنا يقتضي السياق الإلماع إلى أن الأندلسيين ربما كانوا أكثر تشبثًا بأوطانهم، وحنينًا إليها، مهما كانت دواعي التنقل عنها، لأنهم ينظرون إلى الأندلس باعتبارها فردوسًا حقيقيًا فوق الأرض، ويحاجّون في ذلك حتى الملوك المرينيين أنفسهم، إذ «حكي أن الخليلي لما قدِمَ من الأندلس رسولًا إلى السلطان المغربي أبي عنان فارس ابن السلطان ...
Art-and-Literature
يا أهْلَ أنْدَلُسٍ لله دَرُّكمُ
Art-and-Literature
ماءٌ وظِلٌّ وأشجارٌ وأنْهارُ
Art-and-Literature
ما جَنَّةُ الخُلْدِ إلاَّ في دِياركمُ
Art-and-Literature
ولو تَخَيَّرْتُ هذي كنْتُ أخْتَارُ
Art-and-Literature
فقال السلطان أبو عنان: كذب هذا الشاعر، يشير إلى أنه جعلها «جنة الخلد»، وأنه لو خير لاختارها على ما في الآخرة، وهذا خروج عن ربقة الدين، ولا أقل من الكذب والإغراق، وإن جرت عادة الشعراء بذلك الإطلاق
Art-and-Literature
فقال الخليلي: «بل صدق الشاعر، لأنها موطن جهاد، ومقارعة للعدو وجلاد، والنبي صلى الله عليه وسلم الرؤوف، الودود الرحيم العطوف، يقول: (الجنة تحت ظلال السيوف)، فاستحسن منه هذا الكلام، ورفع عن قائل الأبيات المَلام، وأجزل صلته ورفع منزلته
Art-and-Literature
ولعمري إن هذا الجواب لجدير بالصواب، وهكذا ينبغي أن تكون رُسُلُ المُلوك في الافتنان، رَوَّحَ الله تعالى أرواحَ الجميع في الجِنان»
Art-and-Literature
على هذه الشاكلة احتج ابن خاتمة على صديقه ابن الخطيب، حين هاجر من الأندلس إلى المغرب قائلًا: «إنه ما فارق ذوو الأرحام، وأولو الأحلام، مواطنَ استقرارهم، وأماكنَ قرارهم، إلا برغمهم واضطرارهم، واستبدال دار خير من ديارهم«
Art-and-Literature
ردّ عليه ابن الخطيب مزكيًا ما ذهب إليه «وأما تفضيله هذا الوطن على غيره
Art-and-Literature
إذا كانت هذه الخطابات تعزف على وتر الدين مسوغًا لتفضيل الأندلس والتعلق بها، فإن هناك خطابات ترتبط بها روحيًّا وجماليًّا، حيث نجد أن أبا عمران موسى بن سعيد عندما دعاه أبو يحيى صاحب سبتة، لمّا استوزره مستنصر بني عبد المؤمن، يُرَغِّبُهُ في النقلة من الأندلس إلى مراكش، فكان في تضاعيف جوابه: «وبعد هذا فكيف أفارق الأندلس؟ وق...
Art-and-Literature
هِيَ الأرْضُ لا وِرْدٌ لديْها مُكَدَّرٌ
Art-and-Literature
ولا ظِلَّ مَقْصورٌ ولا رَوْضَ مُجْدِبُ
Art-and-Literature
أفقٌ صقيل، وبساط مديدٌ، وماءٌ سائحٌ، وطيرٌ مُتَرَنِّمٌ، فكيف يعدلُ الأديبُ عن أرضٍ على هذه الصفة؟! فيا سموءل الوفاء، ويا حاتم السماح،
Art-and-Literature
يعتبر موسى بن سعيد - بلا مواربة - أن مفارقته للأندلس مدعاة لتكدر الخاطر، وحتى لو كانت – هذه المفارقة - إلى أمِّ العواصم يومئذ، ومركز استقطاب كل طامح إلى المجد والثراء
Art-and-Literature
مع كل ما تقدَّم بقي صوت الوصل بين العُدْوَتَيْن طاغيًا على صوت الفصل بينهما، حيث استبدت الغربة بأبي بكر عيسى ابن الوكيل اليابري، حين كان - تحت ظل الدولة المرابطية - يـشعر بتمزقه بين العدوتين - بلا ترجيح:
Art-and-Literature
غريبٌ بأقصَى الغرْب فرّقَ قلبهُ
Art-and-Literature
فآوتْ سَلاَ فِرْقًا ويَابِرَةٌ فِرْقا
Art-and-Literature
مهما وصل تجاذب الفضل بين العدوتين، فإن الخلاصة الأقرب إلى الإنصاف بينهما هي أن الأندلس كانت على العموم أستاذة المغرب في المجال المعرفي والإبداعي والحضاري، وأن المغرب كان حامي الأندلس عسكريًّا وسياسيًّا، وهكذا ظلت «العلاقات الثقافية والفكرية والسياسية دائمة الاتصال بين المغرب والأندلس، فكان المغرب يجود بأمواله ورجاله لل...
Art-and-Literature
كذلك رجال السياسة وقواد الجيوش، حتى أن ابن الخطيب الذي سبق أن رجَّح كفة مالقة (الأندلس)، على سبتة (المغرب)، يعترف في إحدى رسائل الملوك النصريين إلى المرينيين، قائلًا: «ولا شك عند عاقل أنكم إن تخلتْ عُدْوَةُ تأميلكم، أو أعرضتم عن ذلك الوطن استولتْ عليه يَدُ عَدُوِّه»
Art-and-Literature
خليفةَ الله سَاعَدَ القَدَرُ
Art-and-Literature
عُلاكَ ما لاحَ في الدُّجَى القَمَرُ
Art-and-Literature
والناسُ طُرًّا بأرْضِ أنْدُلُسٍ
Art-and-Literature
لولاكَ ما أوْطَنُوا ولا عَمَرُوا
Art-and-Literature
وجُمْلَةُ الأمْرِ أنَّهُ وَطَنٌ
Art-and-Literature
في غَيْرِ عَلْيَاكَ مَا لَهُ وَطَرُ
Art-and-Literature
ومُنْ بِهِ مُذْ وَصَلْتَ حَبْلَهمُ
Art-and-Literature
ما جَحَدُوا نِعْمَةً ولا كَفَرُوا
Art-and-Literature
وقدْ أهَمَتْهمْ بأنفسهمُ
Art-and-Literature
فوجَّهُوني إليْكَ وانْتَظَرُوا
Art-and-Literature
بعدما وضعت الأندلس نفسها في كفة المفاضلة مع المشرق العربي تحقيقًا للذات في أقصى أفقها، وحاورت من جاورت من عدوتي البر: المغربية في جنوبها، والتونسية في شرقها، ها هي الآن تتحول من حوار الجوار إلى حوار الذات، نازعة إلى المفاضلات الداخلية بين المدن الأندلسية نفسها، مُغَيِّرَةً خطابها من نبْرة ضمير الأنا الجمعي «الأندلس» في...
Art-and-Literature
يبدو أن هذه النسبة إلى المدن الأندلسية تتقمص الانتماء العرقي، حيث يعتبر - في بعض الخطابات - أن علاقة الأندلسي بمدينته علاقة قبَلية أكثر منها مُواطنَة مَكانية عادية؛ فابن بسام يقول: إن منذر بن يحيى التجيبي (ت 430/1039م) - في غدره بهشام المخلوع - «باع دماء عشيرته أهل قرطبة مجانًا باطلًا بلا ثمن»
Art-and-Literature
يتجلى هذا التعصب للانتماء المكاني أيضًا لدى العبَّادِيِّينَ مع من ينتمي إلى إشبيلية، مثل أبي القاسم بن مرزقان، شاعر المعتمد المقتول يوم سقوط ملكه (484هـ/1091م)، كان «في مَنْ مَتَّ إليهم بقديم جوار، لا ببارع أشعار
Art-and-Literature
قد يتوسَّعُ الانتماء الأندلسيُّ من المدينة إلى الجهة، فيتنازَع شرْقُ الأندلس وغربُها وموسطتُها شَرَفَ هذا الانتماء
Art-and-Literature
في المقابل يهتف أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني - شوقًا - حين لاحت له جبال دانية خلال عودته من إحدى رحلاته الحَجِّيَّة المشهورة
Art-and-Literature
على الرغم من قوة آصرة الانتماء إلى المكان في الأندلس، والتحيز له، فإن مؤرخي هذا الصقع كانوا– أحيانًا - يشعرون بتجاذب الانتماء بين مكان المَوْلِد، ومكان المَوْجِد، فتلقاهم - تارة - يرجِّحون نسبة المُترْجَم له إلى مسْقط رأسه، استصحابًا للأصل
Art-and-Literature
ما لا شك فيه أن فطرة الإنسان تنزع به دائمًا إلى التعلق بمسقط رأسه، باعتبار «أن الوطن محبوب، والمنشأ مألوف، واللبيب يحِنُّ إلى وطنه، حنين النجيب، والكريم لا يجفو أرضًا بها قوابلُه، ولا ينسى بلدًا بها مراضعه»
Art-and-Literature
في ضوء هذا اعتبر ابن زيدون - صاحب هذه الجُمَلِ - أن «الجَلاءُ أخُ (أخو) القتْل، والغُرْبَة أحَدُ السّبَاءَيْن
Art-and-Literature
إلا أن النظرة المثالية في فلسفة المواطنة، سرعان ما تتحول - تحت إكراه الواقع - إلى علاقة فصْل، أكثرَ منها عَلاقة وصْل، ولا سيما حين ينبو هذا الوطن بأبنائه، ويتنكر لهم، علمًا بأن لا قيمة لمكان لا يوفر مكانة لصاحبه، ولذلك قال محيي الدين بن عربي إن «المكان الذي لا يؤنَّث، لا يعوّل عليه»
Art-and-Literature
هكذا يسوِّ غ ابن زيدون هجرته لوطنه، قائلًا: «فنظرتُ في مفارقة الوطن، والبين عن الأحبة، فتبَيَّنَ لي أنَّ إيحاشَ نفسي بإيناس أهْلي، وقطعَها في صِلة وَطَنِي، غبنٌ في الرأي، وخَوَرٌ في العزْم، ووجَدْتُ الحُرَّ ينامُ على الثكْل، ولا ينامُ على الذلِّ، وأذِنْتُ إلى قولهم، ‘ليس بينك وبين البلاد نسب، فخيرها ما حملك’، ‘وإذا نبا...
Art-and-Literature
على ذكر استباحة مفارقة الوطن، إذا ضاق بأبنائه والسير في مناكب الأرض، يبدو أن الإنسان الأندلسي، على الرغم من عشقه لمسقط رأسه وإعجابه الشديد به فردوسًا أرضيًّا ينافس به الفردوس العلوي، فإنه كان يدمن الرحلة خارجه وداخله متعبدًا لله بالحج أو الجهاد، أو طالبًا للرزق، تجارة، أو ساعيًا وراء العمل والجاه، أو باحثًا عن مأمن في ...
Art-and-Literature
إلا أن الأندلسي - مع ذلك - كان يحمل وطنه ملء جوانحه، مهما طَوَّحَتْ به أحوال الحياة، ويتمثّل له مِلْءَ عينيه أينما ولَّى وجهه، وهذا ما يجعله يستبطن دائمًا نسق المفاضلة بين الأمكنة، خلال رحلاته داخل الأندلس وخارجها، جاعلًا مسقط رأسه قطب تلك المفاضلة
Art-and-Literature
من هنا نفهم الخلفية الحقيقية لذلك النمط الذي راج في أوساط كُتَّاب الأندلس، عبر مختلف حِقَبها التاريخية، ابتداءً من عصر الطوائف، حين كتب أبو عبد الله محمد بن مسلم الداني رسالته «طي المراحل»، واصفًا بعض محطات رحلته من دانية في شرق الأندلس إلى إشبيلية عاصمة بني عباد
Art-and-Literature
تابعه عبد الرحمن ابن مغاور الشاطبي، وهو مخضرم بين عهدي المرابطين والموحدين، حيث كتب رسالته «ذكر المراحل»
Art-and-Literature
«حذا حذو ابن مغاور وأبي بحر كاتب من الطبقة التي جاءت بعدهما، وهو أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي، فله رسالة، وصف فيها تنقلاته في شرق الأندلس، بين مرسية وبرشانة، وبسطة، وذلك من أجل مهمة رسمية كلف بها»
Art-and-Literature
يمكن أن نضيف إلى هذا المنحى، ما قام به حازم القرطاجني من عرضٍ مدن الشرق الأندلسي في مقصورته، عبر استرجاع شريط ذكرياته
Art-and-Literature
هذه النصوص كلها تدخل في سياق المفاضلة الخجولة، باعتبارها تصف المراحل، مقارنة بينها، مادحة هنا، وقادحة هناك، راصدةً مختلف جوانب الحياة فيها، مركزة على السكان أخلاقًا ومعرفة وإبداعًا، منوهة بالوضع الاقتصادي والسياسي، والخصائص الجغرافية، والمآثر التاريخية، إلا أن ابن الخطيب اعتمد في «معيار الاختيار» أسلوب المدح والذم، لكل...
Art-and-Literature
هكذا يلاحَظ أن هذه الرحلات التي أدمنها الأندلسيون تقليدًا متبعًا كانت تقدم ثقافة إضافية في مسالك الأندلس، كما أنها كانت تركز على بعض المدن والحصون الأقل شهرة، من دون أن تنسى أمهات الحواضر، في مدار حركتها
Art-and-Literature
هنا لا بد من أن أنبّه على أن كلًّا من أبطال هذه المدونة – باستثناء ابن الخطيب - كانوا ينتمون إلى شرق الأندلس، منه ينطلقون، وإليه يعودون، وهي ملاحظة – في اعتقادي - تسترعي الانتباه، بغية وجود تفسير لها
Art-and-Literature
إذا كان تقسيم الأندلس إلى شرق وغرب وموسطة، قد ترسخ تصنيفًا لدى متناولي هذه الجزيرة، كما أسلفنا، فإن ذلك لم يطغ على تَوَهُّجِ أمُّهَاتِ المُدُنِ الأندلسية، حيث كان لكل إقليم من هذه الأقاليم الثلاثة، مدينة أو مدن تمثِّل مركز عاصمته، وأم قُرَاهُ، وهو ما يعني أن روح المفاضلة ظلت تندس خلف كلِّ تصنيف أندلسي، إقليميًّا أكان أ...
Art-and-Literature
لعلَّ حضور هذه العواصم المتعددة داخل الأقاليم الأندلسية، ونزوعَ كلٍّ منها إلى الاستقلال بذاته، وتَعَصُّب أبنائها لها، وتَضَخُّمَ أنانيتهم الخصوصية، كل ذلك هو ما جعل التأريخ الأندلسي يتجاوز - مبكرًا - رؤيته الوطنية الأندلسية في شموليتها، ليُفْرِد أبْناءُ كلِّ مدينة حاضرتَهم بتآليف خاصة، إحساسًا بانتماء ذاتي يربطهم بها، ...
Art-and-Literature
ظلَّ نمطا الكتب العامة في شأن الأندلس في مشمولها، والكتب المفردة في مختلف حواضرها، متوازييْن في سيرورة حركة التأليف الأندلسي، حيث كان النمط الأول ينبثق من إحساس الأندلس بذاتها تجاه الآخر، المشرقي أساسًا، بينما جاء النمط الثاني من التأليف الأندلسي استجابة لشعور مدن الأندلس بذاتها في مقابل أخواتها
Art-and-Literature
إذا كانت هذه المؤلفات الأندلسية المفقودة – في أغلبها - متمحورة حول مدن بذاتها، مركزة على خصائصها المكانية ووقائعها التاريخية، ومآثرها العمرانية، ومنجزاتها العلمية والإبداعية، فإن أصحابها – بحسب ما يستوحى من عناوين مفقودها ومضامين موجودها - يبرزون فضائل مدنهم، غير واضعين إياها في سياق مفاضلة صريحة مع مدن أخرى
Art-and-Literature
مع ذلك، فإن هناك مؤلفات أخرى عن مدن أندلسية، تصرِّح عناوينها بتفْضِيلها مطلقًا على جميع البلدان، مثل: رسالة «طراد الجياد في الميدان، وتنازل اللدات والأخدان، في تنفيق مرسية على غيرها من البلدان»، لأبي بحر التجيبي
Art-and-Literature
أمّا ابن السراج الأنصاري، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن روبيل، فـكَفْكَفَ – قليلًا - من غلواء إطلاق أحكام التفضيل على عواهنها، حيث عنون كتابه السر المذاع في تفضيل غرناطة على كثير من البقاع
Art-and-Literature