Text
stringlengths
0
194
ولقدْ حبستُ الدَّمع لا بخلاً بهِ يوْم الوداعِ على رُسوم المَعهَدِ
وسألتُ طير الدَّوح كم مثلي شجا بأنينهِ وحنينهِ المتردّد
ناديتهُ ومدامعي منهلة ٌ أيْن الخليُّ منَ الشَّجيِّ المُكْمَدِ
لو كنتَ مثلي ما لبثت ملوّناً وهتفتّ في غضن النقا المتأوّد
رَفعوا القبابَ على وُجوهٍ أشْرَقَتْ فيها فغيّبت السهى في الفرقد
واسْتوْقفُوا ماءَ العُيونِ بأعينٍ مَكحولة بالسِّحْر لا بالإثمِدِ
والشمسُ بين مضرَّجِ ومبلجٍ والغُصنُ بين موَشَّحٍ ومقلَّدِ
يطلعنَ بين سوالفٍ ومعاطف وقلائد منْ لؤلوءٍ وزبرجدِ
قالوا اللّقاء غداً بمنْعَرَج اللِّوى واطولَ شَوْقِ المستَهامِ إلى غدِ
وتخالُ أنفاسي إذا ردَّدتها بين الطلول محتْ نقوشَ المبْرد
وتنوفة ٍ مجهولة ٍ قد خضتها بسنان رمحٍ نارهُ لمْ تخمدِ
باكرتها في فتية ٍ عبسية ٍ منْ كلِّ أرْوعَ في الكريهة ِ أصيدِ
وتَرى بها الرَّاياتِ تَخفُقُ والقنا وَتَرى العَجاجَ كمثْل بَحرٍ مُزْبدِ
فهناك تنْظرُ آلُ عَبْسٍ مَوْقفي والخيْلُ تَعثُر بالوشيج الأَمْلدِ
وبوارقُ البيض الرقاقِ لوامعٌ في عارض مثلِ الغمام المرعدِ
وذوابلُ السُّمر الدّقاق كأَنّها تحتَ القتام نُجومُ لَيْلٍ أسوَد
وحوافرُ الخيل العتاق على الصفا مثْلُ الصواعق في قفار الفدْفدِ
باشرْتُ موكبها وخضتُ غُبارَها أطفأتُ جَمرَ لهيبها المتوقِّدِ
وكررتُ والأبطالُ بينَ تصادم وتهاجمٍ وتحزُّبٍ وتشدُّدِ
وفَوارسُ الهيجاءِ بينَ ممانعٍ ومُدافعٍ ومخادعٍ ومُعربدِ
والبيضُ تلمعُ والرِّماح عواسلٌ والقومُ بين مجدَّلٍ ومقيدِ
ومُوسَّدٍ تَحْتَ التُّرابِ وغيرُهُ فوقَ الترابِ يئنُ غير موسَّدِ
والجوُّ أقتمُ والنجومُ مضيئة ٌ والأفقُ مغبرُّ العنانِ الأربدِ
أقحمتُ مهري تحتَ ظلّ عجاجة ٍ بسنان رمحٍ ذابلٍ ومهندِ
رَغَّمتُ أنفَ الحاسِدينَ بسَطْوتي فغدوا لها منْ راكعين وسجَّدِ
---
أَحْرَقَتْني نارُ الجَوى والبعادِ بَعد فَقْدِ الأَوْطانِ والأَولاد
شابَ رأسي فصارَ أبيض لوناً بعد ما كان حالكاً بالسواد
وتذكرتُ عبلة َ يومَ جاءت لوداعي والهمُّ والوجد باد
وَهي تُذْري من خيفَة ِ البُعْدِ دمْعاً مُستهِلاًّ بلَوْعة ٍ وَسُهاد
قلْتُ كِفِّي الدُّمُوعَ عنْكِ فقلبي ذاب حزناً ولوعتي في ازديادِ
ويحَ هذا الزَّمانِ كيفَ رَماني بسهامٍ صابتْ صميمَ فؤادي
غيرَ أني مثْلُ الحُسام إذا ما زادَ صقلاً جادّ يوم جلادِ
حنكتني نوائبُ الدهر حتى أوقفتني على طريقِ الرشادِ
ولقيتُ الأبطالَ في كل حربٍ وهزمتُ الرجال في كلِّ وادي
وتركتُ الفرسانَ صرعى بطعنٍ منْ سِنانٍ يحْكي رُؤُوس المزاد
وحسامٍ قد كنتُ من عهد شدَّادٍ قديماً وكانَ منْ عهدِ عادِ
وقهرتُ الملوكَ شرقاً وغرباً وأَبَدْتُ الأَقْرانَ يوْم الطِّراد
قلَّ صبري على فراق غصوبٍ وهْو قد كان عُدَّتي واعتِمادي
وكذا عروة ٌ وميسرة ٌ حامي حمانَا عِند اصْطدام الجياد
لأَفُكَّنّ أَسْرَهُمْ عن قريبٍ منْ أيادِي الأَعداءِ والحُسَّاد
---
إذا رشقت قلبي سهامٌ من الصَّدّ وبدلَ قربي حادثُ الدَّهر بالبعد
لبست لها درعاً من الصَّبر مانعاً ولاقَيتُ جَيْشَ الشَّوْقِ مُنْفرداً وحدي
وبتُّ بطَيْفٍ منْكِ يا عبلَ قانِعاً ولو باتَ يسرى في الظَّلام على خدّى
فبالله يا ريحَ الحجازِ تنفَّسي على كَبدٍ حَرَّى تَذُوبُ من الوجْدِ
ويا بَرْقُ إنْ عَرَّضت من جانبِ الحمى فَحَيِّ بني عَبْسٍ على العلم السَّعْدي
وانْ خمدتْ نيرانُ عبلة موهناٌ فكن أنتَ في اكنافها نيّرَ الوقد
وَخَلِّ النّدَى ينْهلُّ فوقَ خِيامِها يُذَكِّرُها أني مُقيمٌ على العَهْدِ
عدِمْتُ اللّقا إنْ كنتُ بعد فِراقها رقدْتُ وما مَثَّلْتُ صورَتها عندي
ومَا شاقَ قَلبي في الدُّجَى غيرُ طائرٍ ينوحُ على غصنٍ رطيب من الرَّند
به مثل ما بي فهو يخفى من الجوى كمَثْل الذي أخفِي ويُبْدي الي أبدي
ألا قاتلَ اللهُ الهوى كم بسيفهِ قتيلُ غرامٍ لا يُوَسّدُ في اللَّحْدِ
---
شَرَيْتُ القَنا منْ قبل أن يُشترى القَنَا ونلتُ المُنى منْ كلِّ أشْوسَ عابس
فما كلُّ مَن يَشري القَنا يَطْعنُ العِدى وَلا كلُّ مَن يلقى الرِّجالَ بفَارسِ
خرَجتُ إلى القَرْمِ الكمِّي مُبادراً وقد هجستْ في القلب مني هواجسي
وقلتُ لمهري والقنا يقرعُ القنا تنبَّه وكن مستيقظاً غير ناعس
فجاوبني مهري الكريمُ وقال لي أنا منْ جيادِ الخيل، كُنْ أنتَ فارسي
ولمَّا تجاذبْنا السُّيوفَ وأُفرِغَتْ ثيابُ المَنايا كُنتُ أوَّل لابسِ
ورُمحي إذا ما اهتزَّ يَوْمَ كريهة ٍ تَخرُّ لهُ كلُّ الأُسودِ القناعِسِ
وما هالَني يا عَبلَ فيكِ مهالِكٌ ولا راعني هولُ الكميِّ الممارس
فَدُونَكَ يا عمرو بن وُدٍ ولاَ تَحُلْ فرمحي ظمآنٌ لدّم الأشاوس
---
لقد وجدنا زَبيداً غيرَ صابرة ٍ يوم التقينا وخيلُ الموتِ تستبقُ
إذ أدبروا فعلمنا في ظهورهم ما تعمل النار في الحلفي فتحترقُ
وخالدٌ قد تركتُ الطيرَ عاكفة ً على دماهُ وما في جسْمِهِ رَمَقُ
خُلِقتُ للحربِ أَحْميها إذا بردتْ وأصطلي بلظاها حيثُ أحترق
وألْتقي الطَّعْنَ تَحتَ النَّقْعِ مُبتسماً والخيلُ عابسة ٌ قد بلَّها العرقُ
لو سابقتني المنايا وهيَ طالبة ٌ قبضَ النفوسِ أتاني قبلها السَّبق
ولي جوادٌ لدى الهيجاءِ ذو شغبٍ يسابقُ الطَّيرَ حتى لَيْسَ يلْتَحقُ
ولي حسامٌ إذا ما سل في رهجٍ يشق هامَ الأعادي حين يمتشقُ
أنا الهزبرُ إذا خيلُ العدا طلعتْ يومَ الوَغَى ودِماءُ الشُّوسِ تنْدفقُ
ماعبستْ حومة الهيجاءِ وجه فتى ً إلاّ ووجهي إليها باسمٌ طلقُ
ما سابقَ الناسُ يوم الفضل مكرمة إلا بدرت إليها حيثُ تستبق
---
ضحكتْ عبيلة ُ إذ رأتني عارياً خلق القميص وساعدِي مخدوُش
لا تَضْحكي مني عُبيلة ُ واعْجبي مني إذا التفتْ عليّ جيوشُ
ورأيتِ رمحي في القلوبِ محكماً وعليهِ منْ فَيْضِ الدِّماءِ نقوشُ
ألقى صدورَ الخيل وهي عوابسٌ وأنا ضَحوكٌ نحْوها وبَشُوشُ
إني أنا لَيثُ العرين ومَنْ له قلْبُ الجبانِ مُحيَّرٌ مدْهوش
إني لأعجبُ كيفَ ينظرُ صورتي يوم القتال مبارزٌ ويعيشُ
---
جفُونُ العذَارى منْ خِلال البرَاقع أحدُّ من البيضِ الرِّقاق القواطعِ
إذا جرَّدتْ ذلَّ الشُّجاعُ وأصبحتْ محاجرهُ قرْحى بفَيض المدَامِعِ
سقى اللهُ عمِّي من يدِ الموتِ جرعة ً وشلَّتْ يدَاهُ بعد قَطْعِ الأَصابعِ
كما قادَ مثْلي بالمحالِ إلى الرَّدى وعلّقَ آمالي بذَيْل المطامع
لقد ودّعتني عبلة ٌ يوْم بَيْنها وداعَ يقين أنني غير راجع
وناحتْ وقالت: كيف تُصْبح بعدَنا إذا غبتَ عنَّا في القفار الشواسع
وحقّكِ لاحاولتُ في الدهر سلوة ً ولا غيّرتني عن هواكِ مطامعي
فكنْ واثقاً منّي بحسنِ مودّة ٍ وعِشْ ناعماً في غبطة ٍ غير جازع
فقلْتُ لها: يا عَبلُ إني مسافرٌ ولو عَرَضَتْ دوني حُدُودُ القواطعِ
خلقنا لهذا الحبِّ من قبل يومنا فما يدخُل التنفيذُ فيه مسامعي
أيا علم السّعدي هل أنا راجعٌ وأنظرُ في قطريك زهرَ الأراجع
وتُبصِرُ عَيْني الرَّبوَتيْن وحاجراً وسكانَ ذاكَ الجزْعِ بين المَراتع
وتجمعنا أرضُ الشربَّة واللوى ونَرتَع في أكْنافِ تلكَ المرابع
فيا نسماتِ البانِ بالله خبِّري عُبَيلَة َ عنْ رَحلي بأَيِّ المَواضِعِ
ويا بَرْقُ بلّغْها الغدَاة َ تحيَّتي وحيِّ دياري في الحمى ومَضاجعي
أيا صادحاتِ الأيكِ إن متُّ فاندُبي على تُرْبتي بين الطُّيور السَّواجع
ونُوحي على من مات ظلماً ولم ينلْ سِوى البُعدِ عن أحْبابِهِ والفَجائع